خاص / شهاب
بعد ساعات طويلة من البحث والسير من سوق إلى سوق، تمكنت رواء أبو حمدة "40 عامًا" من العثور على كيس دقيق تالف وغير صالح للاستخدام الآدمي، وبمبلغ خيالي وصل إلى مائة وخمسين دولارًا، وهو مبلغ يساوي عشرة أضعاف سعره الحقيقي في الوقت الطبيعي وحالته الجيدة.
وعلى الرغم من ذلك، ارتسمت على وجهها ابتسامة المنتصر وسط الإبادة، فحصولها على هذا الدقيق يعني أنها ستصمد في المجاعة هي وأطفالها لمزيد من الأيام.
تقول لـ"شهاب": منذ عدة أيام وأنا أبحث عن حفنة من الدقيق ولم أجد، واليوم أشعر بسعادة عارمة، أخيرًا سينام أطفالي ببطون ممتلئة. وتستطرد: أعرف أنه دقيق غير صالح للاستخدام، وأن رائحته وطعمه سيئان للغاية، وقد سبب الكثير من المعاناة الصحية لأطفالي في المجاعة السابقة التي اجتاحت شمال غزة قبل عام من الآن، لكن كل هذه المعاناة أهون من الموت جوعًا أو سماع صوت بطونهم في ساعات الليل.
قصة رواء تعكس مشهد ومعاناة مليوني إنسان تضرب "مجاعة العصر" بيوتهم وأسرهم، وسط محاولات مشابهة للنجاة وسط حصار خانق وشح متزايد في المواد الغذائية.
سوس مفزع
جميل الهواري، أحد سكان منطقة بيت حانون، يقول: حاولت شراء كيس من الدقيق، لكنني وجدت نفسي مضطرًا لدفع ما بين 350 و400 شيكل دون حتى أن أتمكن من التأكد من جودته، فرائحته لا تُحتمل، والسوس يملؤه بطريقة مفزعة.
وأضاف بنبرة قهر وذل أن هذا النوع من الدقيق سبق وأن أصاب أطفاله بأمراض معوية خلال فترات سابقة من المجاعة، لكنه مضطر للشراء في ظل استمرار تغوّل المجاعة، فلا خيارات أخرى أمام الجميع.
فمنذ إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر في الثاني من مارس الماضي، يواجه القطاع نقصًا حادًا في السلع الأساسية، وعلى رأسها الدقيق، ما دفع كثيرًا من المواطنين لاستهلاك منتجات غير صالحة للاستخدام البشري، كانت تُخصص سابقًا لتغذية الطيور والحيوانات.
بينما يقول فواز أبو صليح من مدينة خانيونس، وهو أب لعدة أطفال، إنه مع عودة الحرب في يومها الأول قرر تخزين بعض أكياس الدقيق في محاولة يائسة لتفادي الأسوأ، لأنه شعر أن الاحتلال يتجه للأسوأ مع غزة، لكنه صُدم بعد فترة عندما اكتشف أن ما خزّنه من دقيق ممتلئ بالحشرات والديدان.
ويضيف: "نقوم بنخل الدقيق عدة مرات، ونختار النوع الأقل ضررًا فقط كي لا نموت جوعًا"، فالطحين الرديء أصبح الخيار الوحيد أمام الجميع، مع غياب اللحوم والفواكه، وشح الخضار، وتوغّل المجاعة.
من جانبه، وصف مدير الاتصال لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، جوناثان فاولر، الوضع الإنساني في قطاع غزة بأنه "الأسوأ" منذ بدء إسرائيل حرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
أبرز حقيقة نفاد المواد الغذائية بقطاع غزة على خلفية غلق إسرائيل كافة المعابر، مستخدمة الغذاء سلاحًا في حرب الإبادة منذ 19 شهرًا، وفاقم هذا القرار الأوضاع الكارثية التي يعيشها الفلسطينيون، الذين يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الخارجية نتيجة حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة، فيما أعلنت الحكومة في غزة أن القطاع دخل "المراحل الأولى للمجاعة".
أهوال القيامة
وقال فاولر: "من الصعب إيجاد كلمات لوصف الوضع الراهن في غزة، إنه أشبه بأهوال يوم القيامة، ويفتقر إلى أدنى درجات الإنسانية".
واعتبر أن القطاع الفلسطيني "يمر بأسوأ مرحلة للأزمة الإنسانية التي يشهدها منذ بدء حرب" الإبادة الإسرائيلية، مبينًا أن الوضع في غزة "ليس معقدًا، بل هو واضح للغاية".
وأشار إلى أنه من الطبيعي ألا يجد الفلسطينيون في القطاع أي شيء ليأكلوه، نتيجة منع إسرائيل وصول المساعدات الغذائية والإمدادات لأكثر من 50 يومًا.
وأضاف: "شبح المجاعة يخيّم على غزة، لم يحدث أن وُضع سكان بأسرهم في العالم تحت هذا الخطر بهذه الطريقة".
في السياق، أكد فاولر أن برنامج الأغذية العالمي أعلن رسميًا عدم وجود أي مواد غذائية لديه قابلة للتوزيع في قطاع غزة.
وتابع: "مخزونات الطحين لدينا نفدت قبل عدة أيام، ولم يتبق أي طعام لتوزيعه. الناس يزدادون يأسًا.. قريبًا لن يكون هناك شيء يُؤكل".
وحذر من أن ذلك الوضع ستكون له "تداعيات خطيرة" على صحة الفلسطينيين في غزة، لا سيما بين الأطفال، إذ ترتفع معدلات سوء التغذية الحاد بشكل خطر.
وعلى هذا النحو، لفت المسؤول الأممي إلى أن المجاعة في غزة "قرار سياسي إسرائيلي بالكامل".
وأردف: "إذا فُتح المجال لإدخال المساعدات فستصل. لكن إسرائيل تفرض حصارًا خانقًا لا يسمح بمرور أي شيء"، لافتًا إلى أن جميع الدعوات الدولية لفك الحصار لم تلقَ أي صدى.
ووصف المسؤول الأممي هذا الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع، وفشل المجتمع الدولي في التصدي له، بأنه "فضيحة حقيقية".
وأوضح: "نحن أكبر هيئة تابعة للأمم المتحدة تعمل في غزة، لدينا 12 ألف موظف ميداني، في حين لا يتجاوز عدد موظفي بقية وكالات الأمم المتحدة مجتمعة، محليين ودوليين، 400 شخص".
وأكد أن جميع موظفي الأونروا العاملين في غزة هم من الفلسطينيين، بعدما اضطرت الكوادر الدولية إلى المغادرة بسبب الأوضاع الأمنية.
وتابع: "رغم الصعوبات، ما زلنا نقدم خدمات طبية يومية لـ15 ألف شخص، ونوفر أنشطة تعليمية لحوالي 12 ألف طفل، رغم انقطاع العام الدراسي للمرة الثانية، كما يعمل مهندسونا على إعادة تأهيل آبار المياه باستخدام قطع غيار مصنوعة من الخردة".
وحذر فاولر في الوقت نفسه من أن هذه الجهود "تواجه مخاطر جسيمة بسبب إعلان إسرائيل أن ثلثي قطاع غزة مناطق محظورة"، ما أدى إلى حصر الفلسطينيين في مساحة ضيقة جدًا، وأعاق بشكل كبير حركة موظفي الإغاثة.
وأضاف: "استهداف إسرائيل للأونروا، وهي الجهة الوحيدة التي تقدم خدمات مباشرة للاجئين الفلسطينيين، يشجع مستقبلًا دولًا أخرى على استهداف وكالات الأمم المتحدة، ما يشكل سابقة خطيرة وغير مقبولة قانونيًا".
وختم المسؤول الأممي بالإشارة إلى أن الوكالة تواجه ضغوطًا مالية كبيرة بعد وقف الدعم الأمريكي، لكنها مستمرة بفضل مساهمات من دول أخرى أعضاء في الأمم المتحدة، مشددًا على أن الأونروا تواصل عملها رغم كل الصعوبات الهائلة.
من جانبها، قالت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن "جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل لليوم الـ60 حصاره المطبق على قطاع غزة، مغلقًا كل المنافذ أمام المواد الضرورية للحياة".
استخفاف بالمجتمع الدولي
وأضاف بيان للحركة أن فصول المجاعة تشتد في غزة مع نفاد مخزونات الغذاء واستهدافها بالقصف ضمن حرب الإبادة الوحشية، مؤكدًا أن استمرار الحكومة الإسرائيلية في استخدام التجويع سلاحًا ضد المدنيين في القطاع، يمثل استخفافًا بالمجتمع الدولي.
وأكدت حماس أن تصريحات المفوض العام لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فيليب لازاريني، عن استخدام الاحتلال موظفي الوكالة دروعًا بشرية، كشفت وحشية هذا الكيان.
ودعت حماس دول العالم كافة، ومؤسسات الأمم المتحدة، إلى الضغط على الاحتلال لرفع الحصار المطبق عن قطاع غزة، وإنهاء جريمة التجويع الممنهج.
كما جددت الحركة نداءها للدول العربية والإسلامية وشعوبها إلى التحرك العاجل لإغاثة الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة.
