"هندسة الجوع" أداة اسرائيل الديمغرافية في غزة تحت غطاء إنساني

خاص / شهاب

بين خطة إسرائيلية مشبوهة وصمت دولي مخجل، يعيش الغزيون على أمل ألا تتحول ضجة المساعدات وخطتها  إلى نعوش مؤجلة  ، فالحديث عن "مساعدات إنسانية" في غزة اليوم لم يعد خياراً ، بل ان الجميع يتحدث عن  استخدام ممنهج للإغاثة كأداة هندسة ديمغرافية، ومسرح تجري فيه أعنف أشكال الابتزاز الجماعي. وقودها الاطفال والمرضى والمصابين

هندسة الجوع

في تصريحات أممية غير مسبوقة، حذّرت منظمات أممية، بينها "اليونيسيف" و"الأونروا"، من أن خطة توزيع المساعدات الإسرائيلية ليست بريئة، بل تهدف ضمنيًا إلى خلق واقع سكاني جديد في غزة، تحديدًا دفع السكان قسرًا من شمال القطاع إلى جنوبه. هذا النزوح "المُهندَس" ليس سوى جزء من استراتيجية أعمق تسعى إسرائيل لتنفيذها منذ بداية الحرب، تحت مسميات "المناطق الآمنة" أو "الممرات الإنسانية".

في تحليلٍ دقيق أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) للخطة الإسرائيلية، تبين أن آليات التوزيع، خاصة مع استخدام تقنية التعرف على الوجه كشرط للحصول على المساعدات، تُخالف تمامًا المبادئ الإنسانية، وتؤسس لرقابة أمنية ومخابراتية تهدف إلى فرز السكان وتتبع تحركاتهم، في محاولة لخلق "خارطة ديموغرافية جديدة" للقطاع.

ما يحدث اليوم في غزة ليس أزمة توزيع، بل مخطط لتهجير تدريجي عبر التجويع والإذلال. الأونروا أوضحت أن المساعدات التي تدخل تُدار بشكل مباشر من قبلها، ورغم ذلك فإن 3,000 شاحنة مساعدات عالقة على المعابر، لا يُسمح لها بالمرور. القصف لم يستثنِ مدارس الأونروا وملاجئها، كما حدث في "مدرسة أبو هميسة" التي قُصف فيها 30 مدنيًا بينهم أطفال.

هذا القصف المتعمد للبنية التحتية الإنسانية، إلى جانب التحكم الكامل في إدخال الغذاء والدواء، يُراد منه  تدمير مقومات الحياة في الشمالـ وإجبار السكان على الفرار نحو الجنوب، حيث يُتوقع عزلهم لاحقًا داخل جيوب ضيقة تحت الرقابة المشددة.

المتحدث باسم اليونيسيف، جيمس إلدر، وصف ما يجري بأنه "انهيار أخلاقي عميق". وقالها صراحة: "الشيء الوحيد الذي يدخل غزة الآن هو القنابل، لا الغذاء ولا الدواء". مشيرًا إلى أن شروط إسرائيل تمنع حتى دخول الحاضنات الطبية، وتُعطل إدخال اللقاحات والأكسجين وحتى الكتب المدرسية.

مصالح وتهجير

في المقابل، تُبرر إسرائيل هذا المنع بادعاءات "سيطرة حماس على المساعدات"، وهو ادعاء رُفض من قبل جميع المنظمات الإنسانية، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، التي أكدت أن الإمدادات تصل إلى المرافق الصحية مباشرة.

في خلفية هذه الأزمة، يبرز الطمع الأميركي في غزة كعامل حاسم ومخفي. فوسط الصراع، بدأت تقارير تتحدث عن مشاريع لإعادة إعمار القطاع بإشراف مباشر من واشنطن، تمهيدًا لـ"ترتيب سياسي" يُقصي المقاومة ويُحول غزة إلى نموذج إداري مرتبط إقليميًا بالضفة والأردن ومصر. فهل الجوع والنزوح هنا تمهيد لصفقة أكبر؟

الولايات المتحدة، التي تُموّل إسرائيل عسكريًا وتمنحها غطاءً دبلوماسيًا، لم تحرّك ساكنًا لوقف الحصار أو فتح المعابر. بل اكتفت بتقديم "مساعدات رمزية" من الجو، رغم إدراكها أن هذه الطريقة لا تُلبي حتى 1% من حاجة القطاع.

رئيس الوزراء الفلسطيني أعلن غزة رسميًا "منطقة مجاعة". لكن العالم لا يزال يتعامل مع ذلك كـ"أزمة إنسانية قابلة للإدارة"، لا كـ"جريمة حرب". والكارثة أن محكمة العدل الدولية أمرت إسرائيل بوقف القتال، لكن القرار ظل حبرًا على ورق.

رغم هول الكارثة، إلا أن المواقف الرسمية من أغلب الدول العربية والمنظمات الإسلامية ظلت في حدود الاستنكار اللفظي أو المطالبة "بالتهدئة" و"تسريع إدخال المساعدات"، دون اتخاذ خطوات عملية حقيقية تضغط على إسرائيل أو حلفائها لوقف ما يحدث.

نهاية الرسالة واضحة: إما النزوح، أو الموت، أو الخضوع لخريطة جديدة لا مكان فيها لمن لا يوقّع على الشروط الإسرائيلية – الأميركية و استخدم المساعدات سلاح بديل للصواريخ، لتحقيق التهجير القسري وتغيير الواقع الديموغرافي والسياسي لغزة. والولايات المتحدة، بشهيتها السياسية ومشاريعها الغامضة، شريكة في صناعة هذا السيناريو، بصمتها أو بدعمها.

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة