تتجه الأنظار في الأوساط السياسية والإعلامية داخل الكيان الإسرائيلي إلى ما قد تحمله الأيام القليلة المقبلة، في أعقاب تصريحات مثيرة أطلقها رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، عن "أحداث مهمة" و"فرص استراتيجية" مرتقبة، قد تشمل صفقة في غزة، أو خطوات تطبيعية مع دول عربية، وربما ضربات إقليمية جديدة.
وعلى ضوء هذه التصريحات، وافقت المحكمة المركزية في القدس، الأحد، على طلب نتنياهو تأجيل الإدلاء بشهادته لمدة أسبوعين في محاكمته الجارية بتهم فساد، وذلك بعد جلسة مغلقة حضرها شخصيًا، وقدم فيها للقضاة ما وصفها بـ"أسباب مصيرية" تمنعه من المثول أمام المحكمة في الوقت الراهن.
هذه التطورات أثارت تساؤلات واسعة حول الدوافع الحقيقية للتأجيل، في ظل مؤشرات على تحركات ميدانية وسياسية متسارعة.
1. صفقة في غزة: استعادة أسرى ووقف إطلاق نار؟
عادت احتمالات التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة إلى الواجهة، عقب تصريحات أمريكية رجّحت قرب التوصل إلى صفقة شاملة خلال أيام.
ورغم هذه التصريحات، نفت مصادر سياسية إسرائيلية، الأحد، حدوث أي "تقدم جوهري" في المفاوضات غير المباشرة مع حركة حماس بشأن تبادل الأسرى، مؤكدة أن اجتماع "الكابينت" الأمني الأخير لم يسفر عن قرارات ملموسة، وسط أجواء من الحذر والترقب.
2. تطبيع محتمل مع سوريا؟
في تطور مفاجئ، كشفت قناة "مكان" الرسمية عن وجود حوار مباشر بين دمشق وتل أبيب، يتناول انسحابًا إسرائيليًا من جنوب سوريا، دون التطرق لملف الجولان. وتشير المعلومات إلى أن الولايات المتحدة ودولًا خليجية تلعب دورًا في دعم هذا المسار الذي قد يفضي إلى اتفاق تطبيع.
وأوضحت القناة أن قادة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية شاركوا في الجلسة المغلقة للمحكمة، وقدّموا معطيات تتعلق بهذا الملف ضمن المبررات التي قدمها نتنياهو لتأجيل محاكمته.
3. ضربة مرتقبة في اليمن؟
توقعت أوساط إسرائيلية ومحللون "إسرائيليون" أن يكون تأجيل المحاكمة مرتبطًا بتحضير حملة عسكرية واسعة على اليمن، تستهدف جماعة أنصار الله (الحوثيين)، التي تواصل ضرب أهداف إسرائيلية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتستند هذه التوقعات إلى الهجوم المفاجئ الذي شنّه الاحتلال على أهداف في إيران منتصف يونيو، مما يعزز احتمال تكرار السيناريو ضد اليمن، في إطار سياسة الردع المتنقلة التي يعتمدها جيش الاحتلال مؤخرًا.
4. تصعيد محتمل ضد إيران
لم تستبعد تحليلات إسرائيلية أن يعود التصعيد العسكري ضد إيران إلى الواجهة، خصوصًا في ظل تقارير تحدثت عن محدودية الأثر الذي خلفته الضربات الجوية الأخيرة ضد منشآت البرنامج النووي الإيراني.
وأثار تصريح لوزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الاهتمام، حين قال إن الجيش "سيعد خطة تنفيذية لضرب إيران، تشمل منع تقدم برنامجها النووي، والتصدي لإنتاجها الصاروخي، والرد على دعمها للفصائل المعادية لإسرائيل".
وفي المقابل، نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين إيرانيين قولهم، في محادثة تم التنصت عليها، إنهم "راضون عن محدودية تأثير القصف الأمريكي الأخير".
5. تصعيد جديد ضد حزب الله؟
على الجبهة اللبنانية، واصلت حكومة نتنياهو اتباع سياسة "جزّ العشب" تجاه حزب الله، بهدف منع الحزب من إعادة بناء قوته العسكرية، خاصة جنوب نهر الليطاني.
وبعد اتفاق نوفمبر 2024، أبدت إسرائيل رغبة متزايدة في توسيع عملياتها داخل الأراضي اللبنانية.
ويرى مراقبون أن حالة الصمت الإستراتيجي التي يلتزم بها حزب الله قد تُغري حكومة الاحتلال بمزيد من عمليات الاستهداف والاغتيال، خاصة لقادة بارزين في الحزب، ضمن محاولة لتحييد خطره لسنوات قادمة.
وهناك 3 طرق محتملة لإنهاء محاكمة نتنياهو:
الأولى: اتفاق الإقرار بالذنب
هذا الاتفاق هو ترتيب بين النيابة والمتهم، حيث يعترف فيه الأخير ببعض التهم مقابل تخفيف أخرى أو تخفيف العقوبة. وفي النهاية، تُعرض الاتفاقية على المحكمة للمصادقة عليها، أو رفضها في حالات نادرة.
الثانية: وقف الإجراءات من قبل النيابة العامة
تستطيع النيابة العامة الإسرائيلية، قانونيا، أن تطلب من المحكمة وقف الإجراءات في أي مرحلة من المحاكمة. لكن ذلك نادر جدا في القضايا الخطيرة، ويتطلب مبررا قانونيا قويا مثل انعدام الأدلة أو مصلحة عامة واضحة.
وفي قضية نتنياهو، أعلنت النيابة أنها لن تطلب وقف الإجراءات، خاصة وأنه نفسه لم يطلب ذلك رسميا، مما يغلق هذا الباب حاليا.
الثالثة: العفو الرئاسي
يملك رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ صلاحية منح العفو أو تخفيف العقوبة بعد إدانة المتهم. لكنه لا يملك سلطة "إلغاء" محاكمة جارية أو وقفها قبل صدور حكم. وحتى في حال إدانة نتنياهو، يمكنه التوجه بطلب عفو إلى الرئيس الذي يقرر منحه أو رفضه. لكن هذا الخيار لا ينهي المحاكمة مسبقا، بل يتدخل فقط بعد صدور الحكم.
ومن جهته، قال بيني أشكنازي مراسل الشؤون القضائية بالموقع الإلكتروني "والا" إن الرئيس الأميركي لا يملك ولا حتى أي جهة خارجية "صلاحية قانونية لوقف محاكمة نتنياهو". وأوضح أن تغريدات ترامب ومواقفه تثير جدلا سياسيا أو إعلاميا لكنها لا تؤثر على سلطة المحاكم أو قرارات القضاة في إسرائيل.
ولفت إلى أن الخيارات الداخلية محدودة ومعقدة، وتبقى المحاكمة مستمرة إلى أن يصدر فيها حكم قضائي، ما لم يقرر نتنياهو بنفسه التوصل إلى اتفاق مع النيابة أو طلب وقف الإجراءات، وهو ما يبدو مستبعدا في الظروف الحالية.
ووفق أشكنازي، يشترط اتفاق الإقرار بالذنب والتوصل إلى صفقة ادعاء مع النيابة العامة انسحاب نتنياهو -الذي يحاكَم بملفات فساد وخيانة الأمانة- من الحياة السياسية، وهو الشرط الذي يعارضه.
ما علاقة ترمب بالقصة؟
ويوم الأربعاء، فاجأ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الأوساط السياسية الإسرائيلية والدولية، بتدوينة مثيرة نشرها على منصته "تروث سوشيال"، دعا فيها صراحة إلى إلغاء محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو منحه عفواً فورياً، واصفاً إياه بـ"البطل العظيم" و"المحارب" الذي قدم الكثير لإسرائيل.
ترمب، الذي ربط مصير نتنياهو بالاستقرار الإقليمي، قال إن الولايات المتحدة التي "أنقذت إسرائيل في الماضي، يجب أن تنقذ نتنياهو اليوم"، في موقف اعتبره محللون تدخلاً مباشراً في المسار القضائي الإسرائيلي، يتجاوز حدود التضامن السياسي.
تأتي دعوة ترمب قبيل أيام من استئناف محاكمة نتنياهو، المتهم في ثلاث قضايا فساد، تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وسط ترجيحات بأن حديث ترمب ليس مجرد دعم شخصي، بل جزء من صفقة إقليمية محتملة تشمل وقف الحرب في غزة، وتحرير الأسؤر، وتوسيع اتفاقات التطبيع العربي-الإسرائيلي.
ويرى مراقبون أن طرح ترمب يصب ضمن مساعيه لتعزيز دوره كـ"رجل صفقات" على الساحة الدولية، خصوصاً مع إعلانه عن جهود وساطة بين الكونغو ورواندا، واستعداده للعب دور مركزي في تحقيق السلام بالشرق الأوسط، في ظل طموحه المعلن لنيل جائزة نوبل للسلام.
وفي الإطار، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر إسرائيلي قوله إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة بشأن إنهاء محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كانت جزءا من تحرك واسع لإنهاء الحرب في غزة.
وقال المصدر المقرب من نتنياهو إن طلب ترامب إنهاء محاكمة رئيس الوزراء هو لإعداد الرأي العام لاحتمال منحه عفوا. وأضاف أن تصريحات الرئيس الأميركي لم تنشر عبثا، بل كانت هذا جزءا من محاولة دبلوماسية شاملة يشارك فيها أيضا فاعلون دوليون آخرون.
