خاص / شهاب
ارتبط كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بصفة "الإثارة للجدل". فترامب، القادم من عالم الأعمال والاستعراض، أثار صدمة لدى النخبة السياسية الأمريكية بخطاباته النارية ومواقفه غير التقليدية، فيما برز نتنياهو منذ بداياته كسياسي يميني متشدد لا يتورع عن استخدام لغة الاستفزاز وتغذية المخاوف القومية لتحقيق مكاسب انتخابية. كلاهما لم يقدَّم كسياسي عادي، بل كشخصية صاخبة تكسر القواعد، وتستقطب الرأي العام بين مؤيد مهووس ومعارض ساخط، وهو ما جعل صعودهما مرادفًا لحالة انقسام حاد داخل مجتمعاتهما وخارجها.
فقد أصبحت الولايات المتحدة في عهد ترامب، وإسرائيل في عهد نتنياهو، رمزين لتراجع المعايير الديمقراطية وازدهار السياسات الشعبوية التي تضع المصالح الشخصية والحسابات الانتخابية فوق المبادئ والقيم. الصحف الغربية مثل نيويورك تايمز والغارديان وصفت هذه المرحلة بأنها دخول العالم في "عصر زعماء الشعبوية المتوحشة"، حيث يجرؤ القادة على تقويض الأعراف الديمقراطية، ويعيدون صياغة العلاقات الدولية بمنطق القوة والاستفزاز بدلًا من الدبلوماسية.
توترات مفتوحة
وبحسب تقارير دولية فأن سياسات الأول قوّضت النظام الدولي القائم على التعاون والاتفاقيات، فيما تسببت سياسات الثاني في تحويل إسرائيل إلى "دولة مارقة" بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين. وبحسب تقرير لمجلس حقوق الإنسان الأممي عام 2021، فإن "الخطاب الشعبوي المتطرف لكلا الزعيمين غذّى الكراهية، وشرعن سياسات تمييزية تتعارض مع جوهر الديمقراطية".
وبحسب خبراء الساياسة فان هذا التوصيف لم يكن مجرد اتهام سياسي عابر، بل انعكس على العلاقات الخارجية: فترامب أدخل بلاده في توترات مفتوحة مع الحلفاء الأوروبيين، وانسحب من اتفاقيات دولية كبرى مثل اتفاق باريس للمناخ، بينما نتنياهو واجه عزلة دبلوماسية متزايدة في أوروبا وتراجعًا ملحوظًا في شرعية إسرائيل داخل الرأي العام العالمي، خاصة بعد تصاعد الجرائم في غزة.
بذلك، فإن ظاهرة ترامب ونتنياهو لم تكن مجرد قصص شخصية لزعماء مثيرين للجدل، بل تجسيدًا لمسار سياسي عالمي أوسع، عنوانه انهيار الإجماع الدولي حول القيم الديمقراطية، وصعود القادة الذين يحكمون بالاستقطاب والعداء، حتى وإن كان الثمن هو تفجير مجتمعاتهم من الداخل وإضعاف نفوذ دولهم في الخارج.
وصمة دولية
لم تقتصر سياسات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إثارة الانقسام الداخلي فحسب، بل امتد أثرها ليشكّل وصمة في سمعة بلديهما على الساحة الدولية. كلا الزعيمين ترك وراءه سجلًا حافلًا بالصدامات مع المجتمع الدولي، لدرجة دفعت محللين غربيين إلى وصفهما بـ"المخربين للنظام العالمي".
قد مثّل وصول ترامب إلى البيت الأبيض صدمة كبرى للعالم. ففي سنواته الأربع، نجح في تحويل الولايات المتحدة – التي كانت تُقدَّم كقائدة للنظام الليبرالي العالمي – إلى قوة مشاغبة تضع المصالح الضيقة فوق أي التزام دولي. انسحابه من اتفاق باريس للمناخ عام 2017 جعله في مواجهة مباشرة مع معظم دول العالم، من أوروبا إلى آسيا وأميركا اللاتينية، التي اعتبرت القرار تنكّرًا للجهود العالمية في مواجهة الكارثة البيئية. الصحف الأوروبية لم تتردد حينها في وصف ترامب بأنه "رجل يعيش خارج التاريخ".
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ انسحب أيضًا من الاتفاق النووي مع إيران رغم التزام طهران ببنوده، وفقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذا القرار فجّر أزمة عميقة مع الحلفاء الأوروبيين، الذين رأوا فيه تقويضًا لسنوات من العمل الدبلوماسي. المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل قالت بوضوح إن "الولايات المتحدة في عهد ترامب لم تعد شريكًا يمكن الاعتماد عليه"، في إشارة إلى حجم الشرخ الذي خلفته سياساته.
مع عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، عاد ترامب بخطاب أكثر تشددًا، متسلحًا بتجربة ولايته الأولى، ومؤكدًا عزمه على المضي في نهج "أميركا أولًا" دون اعتبار للتحالفات التقليدية. فقد أعلن منذ الأسابيع الأولى إعادة النظر في التزامات واشنطن العسكرية في الخارج، وهدد بقطع المساعدات عن المؤسسات الدولية التي وصفها بـ"غير المفيدة". كما تبنّت إدارته الثانية موقفًا أكثر انحيازًا لإسرائيل في حرب الإبادة الجارية في غزة، عبر تقديم دعم سياسي وعسكري غير مشروط لحكومة نتنياهو، ما جعل الولايات المتحدة شريكًا مباشرًا في جرائم الحرب والتطهير العرقي التي ارتكبت هناك. هذه العودة الصاخبة لترامب إلى الحكم أكدت أن العالم أمام نسخة أكثر تطرفًا من زعيم لم ينسَ هوسه بالسلطة ولا خطابه الشعبوي، بل جاء ليضاعف حضوره وتأثيره على النظام الدولي.
الزعيم المنبوذ
أما نتنياهو، فقد حفر لنفسه مكانة مشابهة في خانة "الزعيم المنبوذ" على المستوى الدولي. إذ يلاحقه اليوم ملف الإبادة في غزة أمام محكمة العدل الدولية، فضلًا عن قضايا جرائم الحرب التي تنظرها المحكمة الجنائية الدولية. وبات اسمه مقترنًا في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بمصطلحات كـ"التطهير العرقي" و"الفصل العنصري".
الأمر لم يتوقف عند المنظمات الحقوقية، بل وصل إلى العواصم الأوروبية. ففي بروكسل، تتزايد الأصوات داخل البرلمان الأوروبي المطالِبة بفرض عقوبات على حكومته، فيما شهدت عدة عواصم أوروبية تظاهرات حاشدة ترفع صوره إلى جانب زعماء ارتبطت أسماؤهم بالجرائم ضد الإنسانية. صحيفة الغارديان البريطانية علّقت بالقول إن "نتنياهو جعل إسرائيل أقرب إلى حالة دولة مارقة، تضع نفسها خارج الشرعية الدولية".
ثلاثية السلطة واليمين والإعلام
ويري المختصون ان الزعيمان يتقاطعان في ثلاثية خطيرة: التشبث بالسلطة، التحالف مع أقصى اليمين، وإعلان العداء للصحافة. وهي ثلاثية لا تضعف مؤسسات الدولة فحسب، بل تفتح الباب أمام انقسام مجتمعي وفوضى سياسية، تجعل من بقاء الزعيم أهم من بقاء الدولة نفسها، فمنذ البداية ارتبط بينهما نزعة واضحة للهوس بالسلطة، ولو على حساب المؤسسات التي شكّلت تاريخيًا دعائم الديمقراطية في بلديهما.
فترامب، بعد خسارته انتخابات 2020، رفض الاعتراف بالنتيجة، وروّج لكذبة "الانتخابات المسروقة"، ما فجّر واحدة من أعنف الأزمات في التاريخ الأميركي، وانتهى بمشهد اقتحام الكونغرس وسقوط قتلى. هذا الحدث الذي وصفته نيويورك تايمز بأنه محاولة لـ"حرق البيت الأميركي على من فيه"، كشف أن الرئيس السابق كان مستعدًا لتقويض أركان النظام الديمقراطي من أجل التشبث بالسلطة.
في المقابل، رسّخ نتنياهو صورته كأطول رئيس وزراء بقاءً في تاريخ إسرائيل عبر تحالفات مع أقصى اليمين المتطرف وتلاعب ممنهج بالقوانين. ورغم ملاحقته بتهم فساد تشمل الرشوة وخيانة الأمانة، سعى إلى تأجيل محاكماته، مستغلًا نفوذه ومكانته في الدولة. صحيفة الغارديان لخصت هذا السلوك بالقول: "نتنياهو جعل من بقائه السياسي مصلحة عليا تتفوق على بقاء الديمقراطية الإسرائيلية نفسها."
وسيلة للبقاء
غير أن الهوس بالسلطة لم يقف عند هذا الحد، بل ترافق مع استدعاء اليمين المتطرف كوسيلة للبقاء السياسي. ففي عهد ترامب، شهدت الولايات المتحدة صعودًا غير مسبوق للقوميين البيض، واعتبرت سنوات حكمه "العصر الذهبي" لجماعات مثل براود بويز. تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أكدت أن جرائم الكراهية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال ولايته، في مؤشر على تغذية مباشرة لخطاب التطرف.
أما نتنياهو، فقد فتح أبواب السلطة أمام شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين تبنيا علنًا خطابًا يدعو لطرد الفلسطينيين وتبرير جرائم المستوطنين. وهكذا تحوّل اليمين المتطرف من هامش سياسي إلى شريك في الحكم، بفضل شرعية وفرها لهما ترامب ونتنياهو لتحقيق مصالحهما الشخصية.
عداء للصحافة
ولأن الأنظمة الشعبوية لا تحتمل الرقابة أو النقد، فقد اتسمت علاقة الرجلين بوسائل الإعلام بعداء واضح. ترامب لم يتردد في وصف الصحافة بـ"عدو الشعب"، وهو توصيف يعكس نزعة استبدادية تتناقض مع أبسط مبادئ الحرية. وخلال ولايته، سجّل أكثر من مئتي هجوم لفظي مباشر على الصحفيين، وفق ما وثقته لجنة حماية الصحفيين. أما نتنياهو، فحاول تطويع الإعلام عبر الضغط وتقديم الامتيازات، وهو ما ظهر في القضية 4000، التي شكّلت إحدى أبرز ملفات الفساد ضده والمتعلقة بمحاولته التأثير على محتوى التغطية الإخبارية.
إذا كان التاريخ سيتذكر دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بصفة واحدة، فهي التورط في حروب إبادة وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي. فنتنياهو يقود منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ المعاصر ضد غزة، وصفتها محكمة العدل الدولية بأنها تحمل "شبهة جدية بارتكاب إبادة جماعية". مشاهد القصف العشوائي، ودفن آلاف الأطفال تحت الركام، والتجويع الممنهج للسكان، جعلت إسرائيل بقيادته في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، بينما بدت الولايات المتحدة – سواء في عهد ترامب أو من سار على نهجه – كمن يمنح الغطاء السياسي والمالي والعسكري لهذه الإبادة.
التورط بالدم
عام 2025 شكّل الذروة لهذا الجنون السياسي، حيث لم تقتصر الكارثة على غزة وحدها، بل امتدت رقعة العدوان إلى ملفات أخرى. نتنياهو، مدعومًا بالخطاب الشعبوي المتطرف الذي روج له ترامب، واصل تصعيده العسكري حتى وصل إلى قصف مواقع في إيران تحت ذريعة "منع التهديد النووي"، وهو تصعيد هدد بإشعال مواجهة إقليمية شاملة. في الوقت نفسه، تكررت الضربات الإسرائيلية في اليمن، بدعوى مواجهة نفوذ الحوثيين، ما أضاف ساحة جديدة للاشتعال في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من النزاعات.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ شهدت الجبهة اللبنانية جولة جديدة من الحرب المفتوحة، بعدما تحولت المواجهات مع حزب الله إلى حرب واسعة النطاق، تسببت في تهجير مئات الآلاف ودمار غير مسبوق في الجنوب اللبناني. هذه الحرب وُصفت في تقارير غربية بأنها "مغامرة عسكرية بلا أفق سوى المزيد من الدماء"، وأكدت أن نتنياهو بات أسير نزعة توسعية تدميرية.
لكن المشهد الأكثر استفزازًا للمجتمع الدولي جاء حين امتد العدوان إلى الاعتداء على السيادة القطرية عبر قصف غادر استهدف الدوحة، وهو تطور غير مسبوق في تاريخ المنطقة. وزراء خارجية عدة دول اعتبروا الهجوم "اعتداء سافرًا على القانون الدولي وتهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي"، بينما رأت صحف عالمية مثل الإندبندنت أن ما حدث "دليل على انفلات غير مسبوق لسياسة إسرائيل العسكرية، تحت مظلة صمت أميركي".
مثيرة للجدل
يرى محللون غربيون إلى جانب السجالات السياسية والحروب، لم تخلُ حياة دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو من قضايا مثيرة للجدل مرتبطة بالنساء، شكلت جزءًا أساسيًا من صورتهما العامة وطرحت تساؤلات عن منظومة القيم التي يمثلانها.
ترامب، الذي اشتهر بخطابه الفج تجاه النساء، ارتبط اسمه بسلسلة من الفضائح. فقد تداولت وسائل الإعلام الأميركية والعالمية تسجيلات مسربة له يصف فيها النساء بعبارات مهينة، أبرزها تسريبات عام 2016 التي أحدثت عاصفة سياسية قبيل الانتخابات الرئاسية. كما واجه عشرات القضايا والاتهامات بالتحرش الجنسي والاعتداء، رفعتها ضده نساء من خلفيات مختلفة، بعضها وصل إلى المحاكم وألحق به وصمة يصعب محوها. صحيفة واشنطن بوست وصفت هذه القضايا بأنها "مرآة تكشف ازدراء ترامب للقيم الأخلاقية التي يفترض أن يتحلى بها رئيس الولايات المتحدة". حتى داخل الحزب الجمهوري، اعتبرت أصوات نسائية بارزة أن سلوكه "يعكس عقلية استغلالية ذكورية أكثر منها عقلية قائد سياسي".
أما نتنياهو، فقد ارتبطت علاقته بالنساء بشكل مختلف، لكنه لم يخلُ من الفضائح أيضًا. زوجته، سارة نتنياهو، كثيرًا ما كانت في قلب العواصف الإعلامية، سواء بسبب قضايا فساد تتعلق بإنفاقها الشخصي من المال العام أو بسبب شهادات موظفات سابقات اتهمنها بسوء المعاملة والتنمر. حضورها الطاغي في القرارات السياسية أثار نقاشًا في الإعلام الإسرائيلي حول "الحاكم الفعلي خلف الكواليس". بالإضافة إلى ذلك، وجهت انتقادات حادة لنتنياهو بسبب محاولته استغلال صورته العائلية لتلميع وضعه السياسي، رغم أن تلك الصورة اهتزت مرارًا بسبب الفضائح العائلية والقضائية.
المفارقة أن كلا الرجلين لم يتورع عن توظيف خطاب "الأسرة التقليدية" في دعايتهما السياسية: ترامب قدم نفسه باعتباره المدافع عن القيم المسيحية، بينما قدّم نتنياهو نفسه حامي "العائلة اليهودية". لكن الواقع كشف عن تناقض فاضح بين الخطاب والسلوك، إذ بدا أن علاقتهما بالنساء – سواء عبر فضائح ترامب أو حضور سارة في ملفات نتنياهو – تحولت إلى عبء سياسي ودعائي أضر بمكانتهما داخليًا ودوليًا.
في المحصلة، يجتمع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في ملامح متشابهة: زعيمان أسيران لهوس البقاء في السلطة، تحالفا مع أقصى اليمين، وشرّعا لغة الكراهية، وخاضا حروبًا دموية حملت بصمة الإبادة والتوسع على حساب القانون الدولي وحقوق الشعوب. عام 2025 لم يكن سوى تتويج لمسار طويل من الجنون السياسي، كشف أن الرجلين ليسا مجرد قادة مثيرين للجدل، بل شريكان في مشروع واحد عنوانه: تقويض الديمقراطية وإشعال الحروب، ولو كان الثمن وصمة تاريخية لن تُمحى عن بلديهما.
