قال المحلل السياسي د. إياد القرا إن المنطقة تعيش اليوم حالة من الجمود الحذر بين الحرب والسلام، بعد إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب انتهاء الحرب في غزة، موضحًا أن هذا الإعلان لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل يشير إلى مرحلة سياسية انتقالية تحاول فيها الأطراف إدارة التوازنات الدقيقة بين الضغوط الداخلية والمصالح الإقليمية والدولية.
ضغوط مزدوجة
وبيّن القرا أن إعلان ترامب عن "نهاية الحرب" لم يكن تصريحًا عابرًا، بل يمثل تعهدًا سياسيًا ملزمًا للولايات المتحدة، يجعل أي عودة للقتال بمثابة فشل مباشر لإدارته وسياستها في المنطقة.
وأضاف أن واشنطن تمارس ضغوطًا مزدوجة؛ فهي تضغط على حركة حماس لضبط الميدان ومنع أي تصعيد، وفي الوقت ذاته تضغط على إسرائيل لتجنّب تفجير الأوضاع أو القيام بخطوات عسكرية تُحرج الإدارة الأمريكية وتنسف مسار التهدئة.
وأوضح القرا أن الإدارة الأمريكية تُدرك تعقيدات الملفات العالقة، خصوصًا ملف الأسرى والجثامين، ولذلك تسعى لإدارة المرحلة الراهنة دون السماح بانفجار يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
وفي الشأن الإسرائيلي، أشار القرا إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى إلى إبقاء أجواء الحرب دون خوضها فعليًا، مستثمرًا حالة "اللاحرب" لإدارة التناقضات داخل إسرائيل.
فمن جهة، يواجه نتنياهو ضغطًا متزايدًا من اليمين المتطرف الذي يطالبه باستئناف الحرب وتحقيق "الحسم الكامل"، ومن جهة أخرى يواجه غضب عائلات الأسرى الإسرائيليين الذين يرون أن أي تصعيد جديد سيقضي على فرص استعادة أبنائهم.
وأكد القرا أن نتنياهو يعتمد سياسة "التصعيد المحدود والمحسوب" عبر عمليات اغتيال أو ضربات جوية موضعية، في محاولة لإرضاء اليمين دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خيوط التفاهم مع واشنطن.
إدارة المقاومة بواقعية سياسية
وفي المقابل، يرى القرا أن المقاومة الفلسطينية تُدير المرحلة الحالية بقدر عالٍ من الواقعية السياسية، إذ تلتزم ببنود الاتفاق الميداني دون تفريط، وتسعى لاستثمار الهدوء النسبي لتمديد فترة "اللاحرب" تمهيدًا للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار وبدء عملية إعادة الإعمار.
وأوضح أن المقاومة تُوازن بين التمسك بالثوابت السياسية واتباع المرونة التكتيكية التي تتيح لها كسب الوقت وتوسيع هامش المناورة، مؤكّدًا أن أي تصعيد غير محسوب سيمنح الاحتلال مبررًا للعودة إلى الحرب.
قال المحلل السياسي الدكتور إياد القرا إن الأنظار تتجه في هذه المرحلة إلى ما يمكن وصفه بالمرحلة الثانية من التسوية والتي ستشكل الاختبار الحقيقي للأطراف كافة موضحا أن هذه المرحلة ستتناول الملفات الكبرى التي تم تأجيلها خلال التهدئة الراهنة وفي مقدمتها قضية سلاح المقاومة ومستقبل قدراتها الدفاعية وما إذا كانت إسرائيل ستواصل الضغط لتقليصها أو إخضاعها لترتيبات أمنية جديدة تحت إشراف دولي.
وأوضح القرا أن ملف إعادة الإعمار يأتي في صدارة القضايا المعقدة إذ تسعى المقاومة إلى ضمان وصول المساعدات وإعادة بناء ما دمرته الحرب بعيدا عن التحكم الإسرائيلي أو ربط العملية بشروط سياسية أو أمنية كما تحاول الأطراف الإقليمية إيجاد آليات تضمن تدفق التمويل بشكل آمن وشفاف دون أن يخضع للابتزاز السياسي
وأضاف القرا أن هناك أيضا بعدا سياسيا وأمنيا لا يقل أهمية يتمثل في ضرورة إيجاد ضمانات حقيقية تكفل استقرار التهدئة وتمنع العودة إلى المواجهة مبينا أن النقاش يدور حاليا حول طبيعة هذه الضمانات ومن هي الجهات التي ستشرف على تنفيذها سواء كانت أطرافا عربية أو دولية .
وأشار إلى أن هذه الملفات الشائكة لن تُحسم بسرعة نظرا لتداخل المصالح الإقليمية والدولية وتضارب الرؤى بشأن مستقبل قطاع غزة بعد الحرب لافتا إلى أن المفاوضات حولها قد تمتد لأشهر وربما أكثر في ظل غياب رؤية واضحة أو اتفاق سياسي شامل يحدد ملامح المرحلة المقبلة
وختم المحلل السياسي الدكتور إياد القرا تحليله بالتأكيد على أن المشهد الراهن يعكس حالة “لاحرب” دقيقة ومحسوبة، فهي ليست حربًا شاملة تنذر بانفجار جديد، ولا سلامًا مستقرًا ينهي جذور الصراع، بل مرحلة وسطى تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المعادلات الميدانية، وتُدار فيها الأوراق بحذر شديد من جميع الأطراف التي تحاول الحفاظ على مكاسبها دون أن تدفع ثمنًا إضافيًا.
وأوضح القرا أن الولايات المتحدة تسعى في هذه المرحلة إلى تكريس نفسها كـ"وسيط ضامن" للاستقرار من خلال إدارة خطوط الاتصال بين الأطراف ومنع أي انهيار ميداني قد يُفقدها السيطرة على المشهد، في حين يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المناورة داخليًا للبقاء في السلطة وسط عواصف سياسية وحزبية متصاعدة، محاولًا استثمار حالة اللاحرب لتثبيت صورته كقائد أمني قوي دون المخاطرة بمواجهة جديدة قد تُفجّر أزماته الداخلية.
وأضاف القرا أن المقاومة الفلسطينية تتعامل مع المرحلة بقدر كبير من الوعي والبراغماتية، إذ تعمل على تعزيز موقعها الميداني والسياسي وإعادة بناء قوتها وترتيب صفوفها استعدادًا لأي جولة تفاوض أو مواجهة قادمة، مستفيدة من الهدوء النسبي لتثبيت قواعد اشتباك جديدة تضمن لها دورًا فاعلًا في أي تسوية مستقبلية.
وأشار إلى أن هذا الواقع يعبر في جوهره عن حرب مؤجلة، فالصراع لم ينتهِ فعليًا وإنما تبدلت أشكاله ليأخذ طابعًا سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا بدل المواجهة العسكرية المباشرة، في انتظار لحظة الحسم التي ستحدد ملامح الحل الشامل وتجيب عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل غزة والعلاقة بين الاحتلال والمقاومة والمنطقة بأسرها.
