في مثل هذا اليوم من شهر آب/أغسطس عام 2001م، كانت فلسطين على موعد مع أحد فرسانها الذين ترجلوا إلى ساحات الوغى ليزلزل أمن الكيان الصهيوني.
حيث انطلق القسامي المجاهد "عز الدين المصري" إلى قلب مدينة القدس المحتلة ليفجر حزامه الناسف وسط حشد صهيوني داخل أحد المطاعم موقعاً 20 قتيلاً صهيونياً وأكثر من 100 مصاب جراح العشرات منهم وصفت بالخطيرة.
ويا لها من ساعات عصيبة عاشتها أجهزة الأمن الصهيونية وهي لا تدري كيف تمكن الاستشهادي القسامي من الوصول إلى قلب مدينة القدس المحتلة على الرغم من حالة الاستنفار القصوى التي كانت قد أعلنتها عقب اغتيال "الجمالين" في مدينة نابلس وتعهدت كتائب القسام بالثأر لدماء الشهداء القادة.
لم يتأخر الرد طويلاً على تلك الجريمة النكراء التي نفذتها طائرات الاحتلال الصهيونية بحق قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس في الضفة المحتلة "جمال منصور وجمال سليم" وثلة مؤمنة كانت حولهم، وهو ما تم بالفعل بعد 9 أيام فقط من جريمة الاغتيال حتى نفذت كتائب الشهيد عز الدين القسام تهديدها بعملية استشهادية زلزلت أركان الكيان الصهيوني الغاصب.
جهاده وانضمامه للقسام
مع اندلاع انتفاضة الأقصى واشتداد ضراوتها وارتقاء الشهيد تلو الشهيد قرر "عز الدين المصري" أن يكون له من اسمه نصيب وأن ينخرط في صفوف كتائب عز الدين القسام لينصر دين الله بقتاله أبناء القردة والخنازير، فكانت البداية على يد القائد القسامي الشهيد "قيس عدوان" الذي قام بتجنيده بانتظاره الفرصة المواتية لتنفيذ عملية استشهادية بناء على طلب "عز الدين" وإلحاحه على ذلك.
وبتاريخ الحادي والثلاثين من تموز لعام 2001 كانت فلسطين على موعد مع مجزرة بحق قادة عظام وشهداء كرام... إنه موعد ارتقاء" الجمالين" ورفاقهما إلى حور الجنان، حيث بدأت الكتائب تستعد للانتقام، فالمصاب جلل، والفاجعة بالشيخين عظيمة وبدأ الاستشهاديون بالتجهز للرد على جرائم العدو، وكان من ضمنهم "عز الدين المصري".. ليحقق أمنيته التي طالما رددها عندما كان يجيب مع من يعرض عليه الزواج .. الحور العين أفضل من هذا كله.
تفاصيلٌ مثيرة للعملية
بعد أن اتخذت كتائب الشهيد عز الدين القسام قراراً بالرد على مجزرة الاحتلال بدأ العمل حثيثاً وبصورة مكثفة بين خلايا منطقتي رام الله ونابلس، حيث تم الاتفاق في نهاية المطاف على إرسال الاستشهادي من منطقة جنين وهو الاستشهادي "عز الدين المصري" إلى منطقة رام الله ليقوم الأسير القسامي القائد "عبد الله البرغوثي" بتجهيزه تمهيداً لنقله إلى مدينة القدس المحتلة.
وبالفعل تم إعداد "عز الدين" جيداً وتوجه بعد ظهر يوم الخميس 11-8-2001م بمساعدة الأسيرة القسامية المحررة "أحلام التميمي" -التي حكم عليها الاحتلال بالسجن 16 مؤبداً وتحررت في صفقة وفاء الأحرار- إلى مطعم "سبارو" في شارع "يافا" بالقدس المحتلة حيث كان مزدحماً بالصهاينة المحتلين، وفي شهادة أحد الصهاينة الناجين لوسائل الإعلام الصهيونية، قال: "من بين الذين كان يتدافعون لدخول المطعم كان هناك شاب فلسطيني يرتدي شيرت أبيض اللون وبدلة رياضية غامقة، وكان يضع حول وسطه محفظة مثل أكياس الكاميرات".
ويضيف شاهد العيان الصهيوني "وحين دخل المطعم بدأ ينظر إلى قائمة الطعام المضيئة والمعلقة على الحائط وعلى الألواح الرخامية الحمراء والخضراء والبيضاء، كما لو أنه يستكشف المنطقة المحيطة به، ثم سأل الشاب الفلسطيني موظف المطعم كم يستغرق الوقت لإعداد طبق من الأسباجيتي (المعكرونة) لأخذه خارج المطعم، وبينما كان الموظف يرد فيه على سؤاله مد الشاب الفلسطيني يده داخل محفظته وفجر قنبلة".
وبهذه العملية الاستشهادية التي كان بطلها الاستشهادي "عز الدين المصري" تكون كتائب القسام قد طوت صفحة جديدة من صفحات البطولة والفداء، فهكذا هي حياة الشهداء دائماً، أجساد على الأرض وأرواح تحلق في السماء، ودماء ترسم خارطة الوطن قائلة للأجيال: "إياكم والتفريط بذرة تراب واحدة منه".
