لم تكن نهايته منفصلة عن طفولته فهما متشابهان تماما، ومتلاصقتان حد التطابق في الفداء والإيثار بالنفس لقاء حماية شعبه، هو القائد الذي رباه شقيقه الشهيد محمود وجعله ساعده اليمنى منذ كان طفلا، أبو العز.
فائق عبد الرؤوف محمد المبحوح من مواليد ١٨/ديسمبر/١٩٦٨، ولد في مخيم جباليا للاجئين، من عائلة تنحدر من قرية بيت طيما، التي هجرت منها عام ١٩٤٨؛ لينشأ ويترعرع في ربوع المخيم الذي شكل لاحقًا مهدًا لانطلاقة الانتفاضة الأولى.
درس "أبو العز" الابتدائية في مدرسة أبو حسين للاجئين، والإعدادية في مدرسة "الإعدادية أ"، ثم يكمل دراسته الثانوية في مدرسة الفالوجا.
رحلة علمية لم يكد ينهيها القائد وفق شقيقه فايز الذي يكشف للمرة الأولى عن جانب من حياة شقيقه القائد، حتى انطلقت الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧، ليكون من أوائل الملتحقين بها.
سرعان ما انخرط "أبو العز" في فعاليات الانتفاضة من إشعال للإطارات ووضع المتاريس وإلقاء الحجارة، ودفع لأجل ذلك ثمنًا من التنكيل والضرب المبرح من جنود الاحتلال بعد إلقاء القبض عليه مرارًا في تلك المرحلة.
وعندما انطلقت حركة المقاومة الإسلامية حماس عام ١٩٨٧؛ كان الشهيد من أوائل المنخرطين بها وفعالياتها المنظمة من كتابة الجدران وتنظيم الفعاليات، تحديدا تلك التي تشتد فيها المواجهات مع جيش الإحتلال من مناسبات وطنية.
خلال هذه الفترة رافق أبو العز شقيقه القائد محمود، وهو صاحب قصة أخرى من البطولة والفداء التي امتدت من أسر الجنود حتى تزويد المقاومة بأسلحة العتاد، لكن أبو العز تدرج من عنصر يدير الفعاليات، لعضوية القوات الضاربة التي أسستها الحركة.
وانصب عمل القوات على ردع العملاء ومواجهة التصرفات التي تتماهى مع الاحتلال، ومثلت بذورا لتشكيل جهاز عسكري للحركة.
ويكشف فايز أن أبو العز انضم للخلية الأولى للكتائب شمال القطاع عام ١٩٩١، رفقة الشهيد القائد عماد عقل وأول شهيد في الخلية غسان أبو ندى، إذ نفذوا عمليات نوعية ضد أهداف الاحتلال وعملائه.
قبل فترة اعتقاله يستحضر فايز موقفًا فدائيًا، افتدى فيه الشهيد أبو العز شقيقه محمود، إذ هاجمت قوات "إسرائيلية" منزل العائلة واعتقلت جميع أفرادها من الشباب بحثًا عنه بعد مطاردته للاحتلال.
الوحيد الذي نجا من هذا الاعتقال كان أبو العز وشقيقه نافذ؛ الذي رافق شقيقه حتى اللحظات الأخيرة في مستشفى الشفاء، إذ توجه أبو العز لورشة الحدادة التي عمل فيها رفقة الشهيد محمود ومساعدًا له فيها.
يروي فايز المشهد بالقول "تفاجأ أبو العز بوجود قوات خاصة داخل الورشة، ليهرب من المكان فوراً ويلحق به الجنود، ليصاب بطلق ناري ويعتقل بعد مسافة قطعها وهو مصاب".
ويضيف"تصادف وجود الشهيد محمود أثناء هذا الحدث؛ ليخبر والدته لاحقًا بأن أبو العز فداه بنفسه".
اقتاد الجنود أبو العز لمكتب التحقيق، اعتقادًا منهم أنه المطلوب محمود؛ "لكن وعند وصول الجنود إلى مكتب التحقيق بدأ المحقق بالصراخ عليهم "هذا فائق ..اذهبوا جيبو محمود"، وفق شقيقه.
في العام ٩٢ اعتقل القائد أبو العز؛ ليمضي حكمًا بالسجن ١٥ عاما، ويفرج عنه في العام ٢٠٠٧.
بعد انقضاء مدة اعتقاله والإفراج عنه، التحق القائد بوزارة الداخلية، وتقلد مواقع عدة بينها منصب نائب مدير عام جهاز الشرطة، ثم مدير عمليات الشرطة في وزارة الداخلية، واستشهد وهو على رأس عمله في هذا المنصب، وفق شقيقه.
وتقلد الشهيد مسؤولية عديد اللجان في إدارة الأزمات، خلال المواجهات والحروب السابقة، كما كلف بادارة ملف كورونا على مستوى الحكومة ووزارة الداخلية.
ويكشف الدكتور فايز بأن الشهيد كلف برئاسة لجنة قيادة الجبهة الداخلية في الحرب الجارية، وكان له الفضل في إدخال المساعدات لمنطقة غزة وشمال القطاع، وبسببها أغاظ الاحتلال؛ الذي أراد وضع حد لهذا الشخص الذي ضحى بنفسه لأجل أبناء شعبنا.
وتابع:"أبو العز أخذ على عاتقه ملف الأزمات في معركة طوفان الأقصى، إلى جانب مجموعة من أفراد الشرطة الذين أخذوا على عاتقهم أن يكونوا استشهاديين، ويوفروا المساعدات لأبناء شعبهم".
وأوضح أن عمل الشهيد أبو العز في أجهزة وزارة الداخلية، ساعده في مد خيوط العلاقة مع شرائح مختلفة من أبناء شعبنا، "وشكل لجنة نسقت مع العشائر والأونروا، وكان يدرك أن ثمن ذلك استشهاده ودفع حياته ثمنا لأجل أبناء شعبه".
وتابع فايز" هي نهاية تليق بأبي العز، صدقًا من ينظر لتاريخه منذ طفولته حتى استشهاده يدرك أن هذه النهاية لمثل هؤلاء الرجال".
وأبو العز رزق بأربعة أبناء اثنين منهم ذكور واثنين إناث، وهو التاسع من بين إخوته الـ ١٤، وانتخبته عائلته عميدًا للعائلة خلفا لشقيقه ووالده من قبلهما.
وعن علاقته بأبويه، يصفه شقيقه فايز: "كان بارًا بهما لآخر نفس، وهذا دفع والدتي دائمًا لتكبد مشاق زيارته، وكانت تصر لزيارته في كل مرة وتنتظرها على أحر من الجمر".
كما كان يتمتع الشهيد بروح مرحة مع أشقائه، "كان محبوب جدًا، وكانت له قفشات"، ويضيف فايز "كان رياضيًا ولديه موهبة خارقة في حفظ أسماء اللاعبين وتاريخهم".
ورغم اهتمامه الرياضي، لكن ذلك لم يمنعه من متابعة الشأن العبري، "فكان يجيد العبرية كتابة وتحدثًا، وكان عليمًا بشؤونهم ويعرف خارطة مجتمعهم وطبيعة أحزابهم".
