السلطة برام الله.. البوصلة الوطنية الفلسطينية أين تتجه؟ دائمًا عكسها!

السلطة تقمع مظاهرات تضامنية مع غزة - أرشيفية -

تقرير / شهاب

في مشهدٍ مخزٍ ككل مرة، أقدمت أجهزة أمن السلطة في رام الله على قمع مسيرات الإضراب والمسيرات التضامنية مع أهالي قطاع غزة، بل واعتقلت المشاركين فيها بعد الاعتداء عليهم بالضرب المبرح، في طعنة جديدة لشعبنا الفلسطيني الذي يمر بأصعب ظروفه.

هذا المؤشر الخطير يخدم أهداف الاحتلال الإسرائيلي فقط، ويعكس تنسيقًا ممنهجًا بين أجهزة أمن السلطة وقوات الاحتلال، في ظل العدوان والإبادة الجماعية المستمرة على أهالي قطاع غزة منذ نحو 18 شهرًا.

وبحسب مراقبين، فإن السلطة في رام الله دائمًا ما تسير عكس التيار الفلسطيني، وتُوجه بوصلتها نحو الاحتلال، في محاولة لكسب الرضا الإسرائيلي والأمريكي، كما أنها تسعى بشكل مباشر وواضح لإفشال أي حراك جماهيري لنصرة غزة ورفض جرائم الاحتلال.

وعمّ إضراب شامل جميع مدن الضفة الغربية، وخرجت مسيرات استجابة لدعوة أطلقتها القوى والفصائل الفلسطينية وناشطون، تنديدًا بحرب الإبادة على القطاع والعدوان المتواصل على المدن والبلدات الفلسطينية، لكن هذه المسيرات تعرضت للقمع واعتُقل بعض أفرادها على يد عناصر في أجهزة السلطة الأمنية.

ومنذ 7 أكتوبر 2023، كرّرت السلطة الفلسطينية سلوكها القمعي بشكل متصاعد؛ إذ قمعت الأجهزة الأمنية عدة مسيرات لمئات المواطنين خرجوا نصرة لقطاع غزة الذي يتعرض لإبادة جماعية إسرائيلية.

 

"تؤدي دورها الوظيفي"

الباحث السياسي محمد غازي الجمل قال إن السلطة الفلسطينية "يبدو أنها قد حسمت أمرها منذ أمد، باتجاه الانحياز إلى القيام بالوظيفة الأمنية بغض النظر عن الأفق السياسي أو وجود مبرر وطني لهذا الأمر، وهو ما ينعكس سلبًا على شرعيتها والتأييد الشعبي لها، كما تظهره العديد من استطلاعات الرأي التي تعطيها درجة متدنية للغاية من الشعبية في الضفة الغربية أو خارجها".

وأضاف الجمل، أنه مع استمرار اليمين الإسرائيلي في تجريف مخيمات الضفة الغربية وتشريد أهلها، فإن السلطة الفلسطينية تلتحق شيئًا فشيئًا بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وتأخذ منها الحماية والغطاء السياسي ما دام ذلك مقبولًا لدى اليمين القومي والديني المتطرف في "إسرائيل".

من جانبه، قال المحلل السياسي هاني المصري إن "السلطة الفلسطينية تقمع المسيرات في الضفة الغربية نصرةً لغزة لمنع حدوث تداعيات، لأن المظاهرات التي تخرج بالآلاف حاليًا قد تتحول إلى مظاهرات بعشرات الآلاف".

وأكد المصري في تصريح، أن "هدف السلطة هو الحفاظ على الهدوء.. اليوم هناك في السلطة منظومة لديها مصالح شخصية تريد الحفاظ عليها"، منبهًا إلى أنه "إذا اهتزت قبضة عباس فإن الوضع قد يتدهور".

أما المحلل السياسي أحمد الحيلة، فأكد أن الاعتقالات التي وقعت في مظاهرات الضفة الغربية تأخذ أبعادً أكبر وأعمق من مجرد التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي.

وقال الحيلة، إن هذه الاعتقالات تدخل ضمن سياسة إقصاء التيار المقاوم في الشعب الفلسطيني وتهميشه، كنتيجة لاستحقاقات اتفاقيات أوسلو الأمنية والسياسية.

وأضاف أن التنسيق يعد نتيجة لحالة إنكار الفشل العميق الذي وقعت فيه رجالات السلطة الفلسطينية، وانهيار برنامجها السياسي، وخشيتها من تعاظم تيار المقاومة الجارف.

ولفت الحيلة إلى محاولة التفرد بالقرار الوطني الفلسطيني واحتكار السلطة، بغض النظر عن الواقع المر والمآلات الكارثية على القضية الوطنية، لأسباب ذاتية وبسبب سياسات الاحتلال الاستيطانية والتهويدية.

وأشار إلى أن هذه الاعتقالات هي استحقاق لاستدامة السلطة كإدارة محلية، واستمرار امتيازاتها المادية، وذلك كله وفق معايير الاحتلال المتحكم في أموال الشعب الفلسطيني وفي السلطة وفي امتيازات شخصياتها، مما يجعل البعد الوطني ضحية، وحقوق الشعب الفلسطيني في مهب الريح أمام تغول الاحتلال في دماء الفلسطينيين وتنكره لحقوقهم الوطنية.

 

"حارس لأمن الاحتلال"

وقال الباحث والمحلل السياسي إبراهيم المدهون إن الحسم الأمني يتم تنسيقه بين السلطة الفلسطينية والاحتلال في إطار تعاون وثيق وممنهج، مشيرًا إلى أن بعض العمليات تُنفذ بطلب إسرائيلي مباشر، وهناك اعتقالات تكون محددة وذات طابع أمني تكتيكي.

وأضاف المدهون، أن "هناك اتفاقًا ضمنيًا بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية للحفاظ على حالة من الهدوء في الضفة، وضمان عدم حدوث أي تفاعل أو تعاطف جماهيري مع غزة، ولذلك يُفشل أي نشاط داعم لغزة استباقًا".

وأشار إلى أن أجهزة أمن السلطة تجري عمليات ملاحقة واعتقال لكل من يُظهر موقفًا مؤيدًا أو متضامنًا مع المقاومة، مبينًا أن هذا الاتفاق بين الأجهزة الأمنية للسلطة والاحتلال يثير أسئلة تتعلق بالثمار التي تجنيها السلطة الفلسطينية من وراء ذلك.

وأوضح أن "السلطة لا تجني شيئًا فعليًا من هذه الاعتقالات سوى مزيد من الارتهان والتورط في التزاماتها الأمنية مع الاحتلال.. لقد بات واضحًا أن السلطة عاجزة عن الفكاك من هذه الالتزامات".

ولفت إلى أن ذلك جعلها في موقع أقرب إلى الحارس منه إلى الممثل الوطني، مؤكدًا أن هذا الانحراف يعمّق أزمتها الداخلية ويزيد من فقدانها ثقة الشارع.

 

"طعنة جديدة للشعب"

حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، قالت إن حملة الاعتقالات التي شنتها أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية ضد المواطنين عقب مشاركتهم في مسيرات وفعاليات نصرة غزة، مؤشر خطير وسلوك يخدم أهداف الاحتلال، ويشكل طعنة جديدة للشعب والقضية الفلسطينية التي تمر في أخطر مراحلها.

وأشارت الحركة في بيان لها، إلى أن اعتقال أجهزة أمن السلطة في الضفة عضو مجلس بلدية "بيتا" جنوب نابلس، وقمع مسيرة في رام الله واعتقال مشاركين فيها، يؤكد أن السلطة تسعى بشكل مباشر وواضح لإفشال أي حراك جماهيري لنصرة غزة ورفض جرائم الاحتلال، وهو ما يُعد جريمة وطنية وأخلاقية، تستدعي تحركًا وطنيًا واسعًا يضع حدًا لما يجري في الضفة الغربية من قتل وتهجير وتخريب.

ودعت حماس الجماهير الفلسطينية في الضفة لعدم الاستكانة لهذه الممارسات القمعية، وإعلاء الصوت عاليًا أمام تلك الانتهاكات، واستمرار الحراك الجماهيري في وجه الاحتلال نصرة لغزة، وللتصدي لمخططاته بتهويد القدس، وضم الضفة، ونهب الأراضي، وتهجير أهلها، وتمرير مخططاته الخبيثة.

كما وصفت حركة الجهاد الإسلامي قمع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المتظاهرين في مسيرات دعم قطاع غزة في مدينة رام الله واعتقال مشاركين فيها بأنها "أعمال غير وطنية".

وقال مسؤول العلاقات الوطنية بالحركة إسماعيل السنداوي إن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة حساسة "تستدعي تضافر الجهود لوقف تهجير شعبنا في غزة والضفة".

وذكر أن "الاستجابة الواسعة لأبناء شعبنا في الضفة ليوم الإضراب العالمي تنديدًا بحرب الإبادة وقتل المسعفين بدم بارد، وقيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية بقمع المتظاهرين والاعتقالات، تُعد أعمالًا غير وطنية".

وأشار السنداوي إلى أنه "يجب على السلطة أن يكون لها دور في مساندة الشعب في غزة من خلال العمل الجماهيري وتسيير القوافل إلى غزة".

وبدورها، استنكرت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية الجريمة المشينة التي أقدمت عليها أجهزة أمن السلطة، باعتقال عدد من الشبان من داخل المسيرة الإسنادية التضامنية مع أهلنا في قطاع غزة، وذلك قرب دوار المنارة في مدينة رام الله، والاعتداء على المشاركين، من بينهم فتاة، على يد عناصر أمنية بلباس مدني.

وقالت اللجنة في بيان صحفي، إنّ "ما جرى ليس مجرد تجاوز فردي، بل هو سلوك ممنهج يكشف الوجه القمعي لأجهزة السلطة التي باتت ترى في كل صوت حر خطرًا على وجودها، وتتعامل مع أبناء شعبها وكأنهم أعداء".

وأضافت أن "الاعتداء على مواطنين خرجوا نصرةً لغزة تحت القصف، واعتقالهم بهذه الطريقة الهمجية، هو خيانة صريحة للقضية الوطنية، وتساوق مع سياسات الاحتلال التي تسعى إلى إسكات الشارع الفلسطيني وكسر إرادته".

وتابعت: "إقدام عناصر أمنية على ضرب المتظاهرين والاعتداء الجسدي والنفسي عليهم، بما في ذلك اعتداء مدنيين محسوبين على أجهزة السلطة على فتاة فلسطينية، يمثل انحدارًا خطيرًا في السلوك الأمني للسلطة، ويتطلب وقفة وطنية وشعبية جادة لوضع حد لهذه الانتهاكات".

وحمّلت السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية كامل المسؤولية عن سلامة المعتقلين، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم، وأكدت أن استمرار سياسة القمع لن يوقف المد الشعبي، ولن يُسكت صوت الشارع الذي سينتصر للكرامة والحرية رغم القمع والبطش.

وختمت بقولها: "هذه الانتهاكات لا تقل خطورة عن جرائم الاحتلال، ومن يصمت عنها اليوم سيكون شريكًا للاحتلال في جرائمه المتواصلة في قطاع غزة".

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة