استهداف الأسرى الرموز استراتيجية "بن غفير" لتفكيك قيادة الحركة الأسيرة

خاص / شهاب

منذ بدء الطوفان، صعّد الاحتلال الإسرائيلي وإدارة السجون في انتهاج سياسات قمعية ممنهجة داخل السجون، تستهدف بشكل خاص القيادات الرمزية، إذ تشير تقارير موثوقة إلى تصاعد استخدام أساليب التعذيب النفسي والجسدي بحقهم، في محاولة لإضعاف معنوياتهم وتحييد تأثيرهم داخل الحركة الأسيرة وخارجها.

هذا التصعيد يثير تساؤلات جدّية حول التزام إسرائيل بالمعايير الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تحظر المعاملة القاسية والمهينة للأسرى الرموز، ودلالات هذا الاستهداف في سياق الصراع الأوسع على الكرامة والحرية.

التقارير والمعلومات الواردة من السجون عبر الأسرى المفرج عنهم أو عبر المحامين، تشير إلى تعمّد إسرائيل استهداف الأسرى بشتى أنواع العذاب، حيث كشف تقرير لمكتب إعلام الأسرى قبل أيام أن عبد الله البرغوثي، الأسير في سجن جلبوع الإسرائيلي، يتعرض "لمحاولة تصفية ممنهجة".

وأضاف المكتب في بيان أن "الأسير عبد الله البرغوثي، من بلدة بيت ريما بمحافظة رام الله، وسط الضفة الغربية، ويحمل الجنسية الأردنية، وصاحب أعلى حكم في السجون الإسرائيلية، إذ صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد 67 مرة، وهو قيادي في 'كتائب القسام' الجناح العسكري لحركة حماس، واعتُقل عام 2003، يواجه محاولة تصفية ممنهجة داخل سجن جلبوع الإسرائيلي، حيث وصلت حالته الصحية إلى مرحلة حرجة للغاية تهدد حياته بشكل مباشر".

إغماءات متواصلة

وأفادت المعلومات الواردة من السجون بتعرض البرغوثي للضرب الشديد، "حتى أصبح جسده مغطى بالبقع الزرقاء، ورأسه مليئًا بكتل الدم، مع انتفاخ في عينيه وكسور في أضلاعه، ما يفقده القدرة على النوم".

وأوضح المكتب أن "وحدات القمع تقتحم زنزانته بشكل متواصل، وتتعدى عليه بالضرب حتى تسيل الدماء من جسده في كل مرة، وبعد انتهاء الضرب يتم إدخال الكلاب لنهش جسده المغمور بالدماء، علاوة على سكب مواد التنظيف الحارة على جسده عقب كل جولة تعذيب، لزيادة الألم".

وأشار المكتب إلى تعرض الأسير البرغوثي "للإهانة اللفظية في محاولة لكسر معنوياته، وإهانته من خلال الألفاظ النابية والتهديد بالقتل المباشر وغير المباشر".

وأكدت التقارير أن الأسير البرغوثي، نتيجة هذا التعذيب، "يدخل في غيبوبة متكررة، بينما يعجز عن النوم بشكل طبيعي، ويضطر للجلوس على الأرض مع حني رأسه للأمام بسبب الألم الشديد، موضحًا أنه لم يتمكن من الاستحمام منذ 12 يومًا، ويضطر إلى نقع الخبز بالماء وشربه لعجزه عن المضغ".

وفي صباح اليوم، قال مكتب إعلام الأسرى إن الأسير حسن سلامة يتعرض لاعتداءات متكررة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وسط ظروف قاسية ولا إنسانية.

وأكد "إعلام الأسرى"، في تصريحات صحفية، أن الأسير "سلامة" يقبع في عزل انفرادي مستمر في زنزانة سجن "مجدو" منذ شهور، ومحروم من حقوقه الأساسية، ويتعرض لاعتداءات جسدية طيلة شهرين فقط، تنفذها وحدات القمع بهدف كسر إرادته وتحطيم جسده.

وحسن سلامة، من مواليد عام 1971 في مخيم خان يونس، شارك في الانتفاضة الأولى، وأصبح من قادة الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس). اتهمته إسرائيل بالمسؤولية عن عمليات تفجير أوقعت عشرات الإسرائيليين بين قتيل وجريح، ولُقب بـ"بطل عمليات الثأر المقدّس". حكم عليه بالسجن المؤبد 48 مرة.

تهديد بالقتل

وأضاف المكتب أن سياسة الإهمال الطبي والتجويع التي تمارسها إدارة سجون الاحتلال أنقصت وزنه إلى 62 كغم، بينما يعاني من الجوع المزمن، وتساقط في الأسنان، وضعف في البصر، وصداع دائم. وتحرمه إدارة سجون الاحتلال من ارتداء النظارة الطبية، رغم مطالباته المتكررة، إلا أن طلباته البسيطة تُرفض.

وتُمارس إدارة السجون شتى أنواع التعذيب بحق الأسرى، والتي تتمثل في التعذيب، الضرب، القمع، التجويع، والجرائم الطبية، وعمليات الإرهاب النفسي، والاستفزازات، والإهانات بحقهم على مدار الساعة.

وحذّر مكتب إعلام الأسرى من أن ما يتعرض له الأسرى يُعتبر "جريمة اغتيال بطيئة متعمدة، وانتهاكًا خطيرًا للمواثيق والأعراف الدولية"، داعيًا المؤسسات الحقوقية الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، للتدخل العاجل والتحقيق في هذه الجرائم، وزيارة الأسرى والاطلاع على أوضاعهم.

سياسة ممنهجة

كما طالب المكتب بتحرك دولي عاجل لمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية، داعيًا الجماهير الفلسطينية والمجتمع الدولي إلى التحرك العاجل دفاعًا عن قضية الأسرى الفلسطينيين، ووقف الجرائم المرتكبة بحقهم.

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، تجاوز عدد الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية حتى مطلع أبريل/نيسان 2025 نحو 9900 أسير، بينهم نحو 400 طفل و27 أسيرة، وسط تصعيد غير مسبوق من الإجراءات القمعية والتعذيب، الذي أدى إلى استشهاد 65 أسيرًا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبحث الكاتب أشرف بدر في ورقة سياسات بعنوان (سياسات بن غفير ضد الأسرى والتحوّل بعد 7 أكتوبر)، وذكر أن إيتمار بن غفير وضع عدة أهداف عقب توليه وزارة الأمن القومي بعنوان "سياسات وزير الأمن القومي 2023-2024"، فيما يتعلق بالأسرى الأمنيين، ووضع الهدف الخامس الذي ينص على "تحسين مستوى العقوبة، السجن والتأهيل، لمنع الحوادث". وجاءت أحداث 7 أكتوبر لتزيل أي عائق يحول دون التضييق على الأسرى والتنكيل بهم.

وفاقم التحريض المسعور في وسائل الإعلام الإسرائيلية ضد الأسرى وظروف معيشتهم، حتى وصل الأمر إلى توصيف حياة الأسرى الفلسطينيين داخل السجون كأنها حياة في فندق 5 نجوم، مما دفع في اتجاه تقنين التضييق على الأسرى من خلال سنّ مجموعة من القوانين والتعليمات.

وبحسب الكاتب، أُجريت عدة تعديلات قانونية بشأن وضع الأسرى بعد 7 أكتوبر؛ ففيما يتعلق بمعتقلي غزة، أجرى الكنيست تعديلًا في قانون المقاتلين غير الشرعيين لعام 2002، أما الأسرى الأمنيون من الضفة والقدس ومناطق 48، فتم تعديل قانون أنظمة مصلحة السجون.

ويتابع: تم اتباع سياسة "الحد الأدنى"، إذ أعلن "الشاباص"، بتاريخ 17/10/2023، حالة طوارئ في السجون، وأكدت المفوضة العامة للسجون "تقليص شروط المعيشة للمصنفين أمنيًا"، وأن "ما كان سابقًا في سجون الأمنيين لن يكون بعد اليوم"، في إشارة إلى التضييق عليهم. وقد تضمنت الإجراءات ما يلي: تقليص الحيز المعيشي، وعند الضرورة سحب الأسرّة من المعتقلين وجعلهم ينامون على فرشات على الأرض، ما قاد إلى اكتظاظ الغرف، واتباع سياسة "القفل"، التي تتضمن إغلاق غرف السجن والعزلة التامة، وإغلاق السجون أمام الزائرين من الأهل أو مندوبي منظمة الصليب الأحمر أو المحامين، وإلغاء إمكان إحضار المعتقلين للمثول أمام القضاة، فجُرت جلسات المحاكم عبر الفيديو كونفرنس، وبالتالي ساهمت هذه الإجراءات في انعدام معرفة ما يجري داخل السجون.

يُضاف إلى ما سبق قيام "الشاباص" بسحب كل مستحقات الأسرى التي حصلوا عليها على مر السنين، وتم إلغاء "الكانتينا" وإمكان شراء مواد غذائية، وتمت مصادرة حاجياتهم وممتلكاتهم، وقُطعت عنهم الكهرباء (على سبيل المثال، في سجن نفحة، يتم إنارة الغرف لحوالي ساعة يوميًا، من الساعة 5:30 إلى 7 مساءً)، وتم سحب الأجهزة الكهربائية، وإلغاء "الفورة" (الخروج للساحة)، وتقليص إمكانية الاستحمام، وغيرها من التضييقات.

تُظهر بعض التقارير لمؤسسات حقوقية وجود حالة ممنهجة من الانتهاكات لحقوق الأسرى الفلسطينيين، تتمثل في استخدام العنف والتعذيب؛ من تقييد للأيدي، وتعصيب للأعين لساعات طويلة، وضرب على كافة أنحاء الجسد، وإطفاء سجائر على رقاب الأسرى وظهورهم، وقيام جنود بالتبول عليهم، واستعمال الصعقات الكهربائية ضدهم، والبصق داخل فمهم، ومنعهم من النوم، ومنع الطعام عنهم، ومنعهم من الذهاب إلى المرحاض، واضطرارهم إلى التبول على أنفسهم.

بالإضافة إلى الإهانات الجنسية، من خلال الشتائم، وتعرية أجساد الأسرى، والتحرشات الجنسية، والضرب على الأعضاء التناسلية، والإهانات المستمرة، والإجبار على تقبيل العلم الإسرائيلي، وترديد كلمات النشيد الوطني "هتكفاه"، وسوء المعاملة، والحرمان من المياه والكهرباء. كما تم حرمان الأسرى من الحصول على العلاج الطبي، وجرى إلغاء إمكان الخروج لتلقي العلاجات الطبية في المستشفيات، مع عدم انتظام تقديم العلاج الدوائي، وعدم الفحص والمتابعة الطبية من قبل أطباء السجن.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة