تقرير – شهاب
في اليوم الـ600 للحرب على قطاع غزة، لا تزال دوائر صنع القرار في الكيان الإسرائيلي تترنح تحت وطأة الإخفاقات الميدانية، والخسائر العسكرية، والانقسامات السياسية، بينما يواصل الفلسطينيون، وعلى رأسهم المقاومة في غزة، صمودهم الأسطوري الذي بات محل دهشة المراقبين والمحللين حول العالم.
ورغم مرور ما يقارب 20 شهرًا من القتال المستمر، لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يبحث عن ما يمكن تسميته بـ"النصر المطلق"، في معركة يصفها بأنها وجودية، لكنّ رمال غزة أثبتت مرارًا أنها قادرة على ابتلاع الجنود والدبابات، وتحويل أحلام الحسم إلى سراب.
ومن شمال القطاع إلى جنوبه، لا تزال المقاومة الفلسطينية تنشط في مختلف الجبهات، متمسكة بسلاحها وإيمانها، مدافعة عن قضية يعتبرها أنصارها "أشرف القضايا وأطهرها"، ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي، وما تحظى به حكومة الاحتلال من دعم سياسي وعسكري واسع، فإن التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية تشير إلى حالة من الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، وعلى رأسها "تفكيك حماس" و"استعادة الردع".
وفي تطور لافت خلال هذه الشهور، شهدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية سلسلة من الاستقالات والإقالات، من بينها وزير الحرب يوآف غالنت، ورئيس الأركان هرتسي هاليفي، وقائد فرقة غزة العميد آفي روزنفيلد، بالإضافة إلى انقسامات حادة داخل المجلس الأمني المصغر "الكابينت"، في ظل عجز واضح عن تحقيق أي إنجاز حاسم على الأرض.
أوهام الحسم تتلاشى
الباحث الفلسطيني نائل غازي مصران، أكد على أنه على مدى 600 يومًا، تنقلت العمليات العسكرية الإسرائيلية بين عدة مسميات ذات طابع توراتي أو رمزي أبرزها: "السيوف الحديدية"، "نهضة القيامة"، "عربات جدعون"، و"حرب الجبهات السبع"، في محاولة مستمرة لتغليف المعركة بغلاف أسطوري يعزز معنويات الجنود والرأي العام، لكن النتائج على الأرض كانت دائمًا دون التوقعات، ما دفع محللين إسرائيليين بارزين للقول إن "معركة غزة تحولت إلى مستنقع سياسي وأمني غير مسبوق".
وقال مصران، إنه مع تصاعد الانتقادات الداخلية، تتزايد الأصوات التي ترى أن "الحسم العسكري" أصبح أقرب إلى الوهم، خاصة في ظل استمرارية العمليات الفدائية، والقدرة التنظيمية للمقاومة، رغم الحصار والدمار.
وعلى الجهة الأخرى، شدد على أنه لا يزال الغزيون، بمقاومتهم ومدنييهم، يثبتون صمودًا تجاوز التوقعات، فكما قال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي نفسه ذات يوم واصفًا مقاتلي غزة بأنهم "حفاة عراة بأقدام حافية وصنادل"، فإن هؤلاء أثبتوا أن الإيمان بقضية، والتمسك بالأرض، قد يتفوقان على أعتى الجيوش.
وأضاف: "فمن تحت ركام القصف، خرج رجال المقاومة ليعيدوا تموضعهم، ويثبتوا حضورهم، في تحدٍّ مستمر للآلة العسكرية المتقدمة، ولعل أبرز ما ميز المعركة من الجانب الفلسطيني هو المزج بين الصلابة الإيمانية، والمرونة التكتيكية، رغم شُحّ الإمكانات، وعِظم الكارثة الإنسانية".
ولفت مصران، إلى أن غزة في اليوم الـ600 للحرب، تتصدر النشرات الإسرائيلية أخبار الانكسار، وتملأ مقالات المحللين اعترافات ضمنية بالفشل، بينما يتبادل قادة الاحتلال الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور، وعلى الضفة الأخرى من المعركة، يبدو أن الشعب الفلسطيني، تحديدًا في غزة، لم يزدْه الحصار والقصف إلا توكلًا، وصبرًا، وتمسكًا بالحق.
"إسرائيل" في مأزق
ومن جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي سهيل كيوان إن توقيع 1200 جندي وضابط احتياط في جيش الاحتلال على رسالة تطالب بوقف الحرب في غزة يعكس انقساماً عميقاً داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع "الإسرائيلي" ككل، معتبراً أن هذه المطالبات ليست جديدة، لكنها باتت أكثر إلحاحاً في ظل الواقع السياسي والعسكري الراهن.
وأكد كيوان، خلال حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، على أن الحرب المستمرة على قطاع غزة ألحقت ضرراً بالغاً بصورة "إسرائيل" على الساحة الدولية، مشيراً إلى أن دولاً حليفة لها مثل بريطانيا وكندا وعدة دول أوروبية بدأت تصرح علناً بأن ما تقوم به حكومة نتنياهو يرقى إلى جرائم حرب، فيما يطالب بعضها بوقف التعاون التجاري والعسكري مع "تل أبيب".
وأضاف: "هناك دعوات متزايدة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية ووقف تصدير الأسلحة إليها. هذه الأصوات لم تعد محصورة في أروقة النشطاء بل باتت تخرج من داخل البرلمانات الأوروبية".
وفي السياق العربي، يرى كيوان أن الشعوب العربية باتت مستاءة بشدة من الأوضاع في غزة، رغم محاولات بعض الأنظمة احتواء الغضب الشعبي، مضيفاً أن هذا الغضب لا يمكن تجاهله في الحسابات "الإسرائيلية" حيث يرى جزء كبير من "الإسرائيليين" أن استمرار العدوان يهدد مستقبل علاقات "السلام والتطبيع".
واعتبر كيوان أن حكومة نتنياهو الحالية تعمل على تدمير ما تبقى من ما يسمى بـ"مسار السلام"، وتُمعن في تعميق الانقسام الداخلي، مضيفاً أن توسيع الحرب أدى إلى إنهاك "الجيش الإسرائيلي" حيث يتم استدعاء الجنود مرات متكررة، ما خلق حالة من الإرهاق والرفض لدى الجنود أنفسهم.
وأوضح أن مشاهد المجاعة والدمار في غزة باتت موثقة أمام العالم، وستكون دليلاً في ملفات جرائم الحرب التي تلاحق حكومة الاحتلال، مشيراً إلى أن المحكمة الجنائية الدولية بدأت بالفعل توجيه طلبات اعتقال ضد وزراء "إسرائيليين" وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بالإضافة إلى رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الحرب السابق يؤاف غالانت.
وأشار كيوان إلى أن أزمة الجنود الأسرى داخل غزة أصبحت قضية ضغط داخلي حقيقي، إذ تزداد مطالبات عائلاتهم بتحميل نتنياهو المسؤولية عن الفشل في التوصل إلى صفقة تبادل.
وشدد كيوان على أن التناقضات الداخلية في "إسرائيل" آخذة في التصاعد، لافتا إلى أزمة تجنيد "الحريديم" الذين يرفضون الخدمة العسكرية لكنهم يشاركون في اتخاذ قرارات الحكومة، ما يُعد إجحافاً صارخاً بحق العلمانيين والمؤمنين بالمساواة.
وقال كيوان: "إسرائيل اليوم أمام لحظة حرجة جداً، تشبه في بعض جوانبها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا قبل سقوطه، والخيارات أمامها باتت محدودة، فإما أن تتجه نحو مزيد من التصعيد والفوضى، أو أن تعيد النظر في سياساتها قبل فوات الأوان".
وبينما تتواصل المناشدات الدولية لوقف الحرب، وتعزيز المسار السياسي، لا تزال غزة، بمقاتليها وأهلها، تعيد رسم معادلة الصراع، وتؤكد للعالم أن القوة ليست وحدها من تحسم المعارك، بل إن الإرادة هي من تصنع التاريخ.
