شادي أبو صبحة

لهاث الطحين .. مُجوَّعين تحت نيران الإغاثة

في غزة المحاصرة، لا يلهث الناس خلف الرفاهية، بل خلف كيس طحين. لا يتدافعون لنيل فرصة عمل أو مستقبل كريم، بل فقط لما يسد رمق أبنائهم ليوم أو يومين. أصبح الخبز أمنية، والطحين حلمًا، والمساعدات فخًا يُنصب للفقراء، تحت عين عالمٍ صامت وغطاء أمريكي مخادع.

جوع الطفولة
وسط هذا الجوع، تنطفئ طفولة آلاف الأطفال الذين لم يعرفوا طعم الحلوى، بل ألفوا طعم الحرمان. العائلات تنام على وجبة واحدة، أو أقل، والمخابز عاجزة، والأسواق خاوية، والقلوب مثقلة بالقهر والانتظار. لم يعد الناس يطلبون أكثر من ما يسند حياتهم ليوم جديد، لكن حتى هذا الحلم البسيط بات مستحيلاً.

مساعدات قاتلة
ما كان يُفترض أن يكون طوق نجاة، تحوّل إلى كمين للموت. المساعدات التي ترسلها بعض المؤسسات الغربية، وعلى رأسها مؤسسة أميركية تُدعى "غزة الإنسانية"، لم تكن سوى غطاء لجرائم مروعة. آلاف الغزيين تُركوا ليطاردوا الطحين على خطوط النار، فقتلوا في طوابير الجوع، برصاص الاحتلال وقذائفه الفتاكة.

بدائل لطمس الأونروا
خطط خبيثة يسعى الاحتلال وداعموه من خلالها لتقديم بدائل مزيفة للمؤسسات الدولية الأصيلة، وعلى رأسها "الأونروا"، التي ترمز إلى حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة والكرامة. إذ تحاول هذه البدائل محو الهوية السياسية والحقوقية لقضية اللاجئين، وتجريدها من بعدها التاريخي والإنساني، ضمن مخططات موازية لتهجير الفلسطينيين ودفن حق العودة في الوعي العالمي، وتحويل الضحية إلى مجرد متلقٍ للمساعدات لا أكثر.

مصائد المجاعة
الآلية الأمريكية لتوزيع المساعدات في غزة ليست عشوائية، بل خطة إسرائيلية–أميركية ممنهجة، تعمل على استدراج آلاف المجوعين إلى ممرات مكشوفة تحوّلت إلى "مصائد موت" يُطلق فيها الرصاص والقذائف من الدبابات والطائرات المسيّرة. وخلال ثلاثة أسابيع فقط من تطبيق هذه الآلية، قُتل أكثر من 350 مدنيًا، وآخر هذه الكرنفالات الدموية مجزرة "التحلية" 17 يونيو، في مدينة خانيونس، بينما يُسمح فقط للناجين بالحصول على كميات لا تُلبّي الحد الأدنى من احتياجاتهم.

حصيلة المجازر
وقد نشر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إحصائية صادمة، كشفت أن الاحتلال ارتكب أكثر من عشر مجازر مروعة منذ 27 مايو، أثناء محاولات المدنيين الوصول إلى ما تُسمى بـ"مراكز المساعدات الأمريكية–الإسرائيلية" في رفح ووادي غزة. كانت الحصيلة ثقيلة: 350 شهيدًا و2846 مصابًا، في مشاهد استخدم فيها الاحتلال الرشاشات الثقيلة والمدفعية والطائرات المسيّرة، ليحوّل مشهد توزيع الطحين إلى ساحة إعدام جماعي.

فخ المؤسسة الإنسانية
الطحين بات مصيدة موت. يقف الناس في طوابير لا تنتهي، يرفعون أيديهم لا طلبًا للخبز، بل للنجاة من رصاصة أو شظية أو طائرة تتربص بهم. وفي قلب هذه الجريمة، تقف "مؤسسة غزة الإنسانية" كواجهة لرحمة مغشوشة. تقارير وشهادات عدة تشير إلى أن المؤسسة ما هي إلا غطاء لنشاطات أمنية غربية، تعمل بتنسيق مباشر مع جيش الاحتلال. تحركاتها تحيط بها طائرات استطلاع، وفرق مسلحة، وتُدار بخرائط توزيع تقود الحشود إلى مناطق مكشوفة، ثم تُترك لتُقتل.

تمويل وتواطؤ أمريكي
البيت الأبيض يعلم، ويغض الطرف. بعض هذه المؤسسات تتلقى تمويلاً مباشراً من الإدارة الأميركية، ما يجعلها شريكة ليست في التواطؤ فقط، بل شريكة في الجريمة ذاتها. جيش يرتدي زي الإغاثة، لكنه يحمل في قلبه قسوة الحرب. وتحت لافتات الرحمة، تُرتكب جرائم تجويع وقتل جماعي تُخمد الأمل وتُسحق الكرامة.

ميناء التهجير
سبق هذه المؤسسة خطط خبيثة بعباءة إنسانية، جاءت كبدائل تمويهية لمعبر رفح والمعابر المغلقة، لتغطية اجتياح الاحتلال لرفح في مايو 2024، وإيهام العالم بأن هذه البدائل "تكفي". الحقيقة أنها أدوات جديدة ضمن منظومة الحصار والقتل. فقد أُنشئ "ميناء غزة العائم" قبالة الشواطئ، بزعم إنساني، لكنه يخفي أنشطة إجرامية تهدف للالتفاف على المعابر البرية، وتحويل المساعدات إلى وسيلة تهجير قسري.

مجازر الطحين
الميناء لم يُنشأ لإنقاذ الأرواح، بل لتحريك الجموع نحو ساحات الموت. هناك، تطلق النيران، وتقصف الطائرات المدنيين. مجازر فاضحة ارتكبها الاحتلال تحت سمع العالم وبصره، دون أن تُسمع سوى جعجعة بلا طحين، كما في "مجزرة الطحين" عند شارع الرشيد، حيث استُشهد أكثر من 130 فلسطينيًا اختلطت دماؤهم بالطحين، وعادوا محمولين على الأكتاف بدل أن يحملوا أرغفة الخبز. وتبعها مجزرة مفترق الكويت على شارع صلاح الدين، بأكثر من 50 شهيدًا، كانوا جميعًا يلهثون خلف كيس طحين.

مساعدات جوية مميتة
ومع هذه الجرائم، لم تتوقف الخطط الأميركية الخبيثة، إذ دشّنت إدارة بايدن "مساعدات جوية" فوق سماء غزة، كبديل وهمي للمعابر البرية. لكن هذه المساعدات تُلقى عمدًا في مناطق خطرة، أو تُرمى في البحر، ليطاردها الجوعى، فيباغتهم الموت برصاص الاحتلال أو قذائف دباباته، ويُحملون من جديد على الأكتاف.

جريمة دولية صامتة
إن ما يحدث في غزة ليس كارثة طبيعية، ولا أزمة إنسانية عابرة، بل جريمة مكتملة الأركان. شعب يُجَوَّع عمدًا، ويُستدرج إلى أبواب المساعدات ليُقتل، وأطفاله يُحاصرون بين الجوع والرصاص.
من يرتكب هذه الجرائم لا يخفيها، بل يمارسها بثقة، لأن العالم لا يحاسبه، بل يبارك جريمته بالصمت. وأمام هذا الخراب، لا تطلب غزة معجزة، بل أن يتوقف هذا الكذب الدولي، وأن تُرفع يد القتل التي ترتدي قفاز الرحمة، وأن يُحاسب من جعل الطحين فخًا، والجوع سلاحًا، والمساعدات مصيدة موت.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة