أثارت المشاهد التي بثّتها كتائب القسام لمحاولة أسر جندي إسرائيلي خلال كمين نُفّذ في منطقة عبسان الكبيرة شرقي خان يونس، صدمة واسعة لدى الأوساط السياسية واستحوذت على تحليلات واهتمامات وسائل الإعلام العبرية، التي وصفت الفيديو بـ"المرعب" واعتبرته "ضربة قاسية لصورة الجيش" ولروايته الرسمية بشأن الحادثة.
صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، علّقت على المقاطع المصوّرة بالقول إن "الجندي أُصيب من مسافة صفر، دون أن تكون هناك أي تغطية نارية أو حماية مدرعة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول جهوزية الجيش في مناطق التوغل".
وأضافت أن حماس نشرت الفيديو للمرة الثانية خلال شهر واحد لتوثيق مقتل ومحاولة أسر جندي إسرائيلي، في ظل غياب تام لأي قوة إسناد عسكرية إسرائيلية.
في ذات السياق، نقلت وسائل إعلام عبرية عن الكاتب الإسرائيلي زئيف روبنشتاين قوله: "المقطع الذي نشرته حماس قاسٍ ومربك، ويُظهر بوضوح أن الجندي فرّ دون مقاومة، وسلاحه وقع بيد العدو... ما يُثير الإحباط أن مقاتلي حماس يتحركون بحرية في الميدان مع الكاميرات والأسلحة، دون رد فعلي واضح من الجيش".
عدة منصات إعلامية إسرائيلية أخرى أقرّت بأن الفيديو الذي نشرته حماس "يكذّب الرواية الرسمية" التي زعمت أن الجندي قُتل بعد اشتباك مسلح. بل أظهرت المشاهد، بحسبها، أن الجندي "هرب من ساحة المعركة دون مقاومة، قبل أن يُجهز عليه مقاتلو حماس".
من جهته، قال ألموغ بوكير للقناة الـ 13 العبرية، إن حادثة محاولة أسر الرقيب في الاحتياط أبراهام أزولاي في خانيونس تعكس مرة أخرى فشل الجيش الإسرائيلي في استخلاص الدروس من أخطاءه السابقة.
وأضافـ "فبعد حادثة "النمر" التي راح ضحيتها سبعة جنود بسبب تسلل مسلحي حماس إلى ناقلة جند مدرعة وإلقائهم عبوة ناسفة دون رصدهم، يتساءل المتابعون كيف يمكن السماح بتشغيل جرافة باجر في خانيونس دون وجود حراسة أو تأمين مناسب بجانبها. اللافت أن القوات الإسرائيلية لم تلاحظ اقتراب المسلحين الذين ركضوا نحو الجندي، واقتربوا منه حتى قتلوه، ثم وقفوا بجانبه لفترة، قبل أن ينسحبوا بسهولة تامة", مؤكدًا أن هذه الثغرات الأمنية تكشف ضعف الاستعداد واليقظة، مما يسهل على المقاومة تنفيذ عملياتها بنجاح.
قناة 12 الإسرائيلية وصفت الفيديو بأنه "مرعب وليس لأصحاب القلوب الضعيفة"، مؤكدة أن الجندي لم يُظهر أي محاولة للدفاع عن نفسه، وأن حماس كانت قادرة على أسره لولا ما وصفته بـ"ظروف ميدانية حالت دون ذلك".
تعليقات الإعلام العبري لم تقتصر على الجانب الميداني، بل ذهبت أبعد من ذلك لتسلّط الضوء على "أزمة الثقة" بين الجيش والمجتمع، بسبب ما اعتبرته "فشلًا استخباريًا وميدانيًا متكررًا" في التعامل مع حرب العصابات التي تنتهجها حماس في قطاع غزة.
وعلق مدير معهد "مسغاف" للدراسات القومية من جانبه بالقول: "رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بحماس، إلا أن الحركة لا تزال تملك نواة قتالية وقيادية فاعلة، وتُظهر مرونة ميدانية عالية، وتسعى لإدارة حرب استنزاف طويلة المدى ضد الجيش الإسرائيلي."
يرى مراقبون أن بثّ هذه المشاهد يأتي ضمن استراتيجية إعلامية مضادة تنتهجها حماس منذ بداية الحرب، بهدف تقويض صورة "الجيش الذي لا يُقهر"، وضرب الرواية الرسمية الإسرائيلية من الداخل، من خلال نشر توثيقات عالية الجودة لعملياتها الميدانية.
كما اعترف اللواء احتياط تامير هيمان، الرئيس الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، بأن حركة حماس نجحت في التكيف مع تكتيكات حرب العصابات في مواجهتها مع الجيش الإسرائيلي، مؤكدًا أن التنظيم استطاع فرض معادلة ميدانية صعبة تتحدى القدرات العسكرية الإسرائيلية.
وفي تصريحات مثيرة بثّتها وسائل إعلام عبرية، قال هيمان: "حماس تكيفت بشكل مثالي مع حرب العصابات ضد أسلوب العمل الإسرائيلي... هناك منافسة، وفي هذه المنافسة بين جيش نظامي كبير وبين تنظيم يعمل كعصابة، هناك ميزة نسبية لحرب العصابات".
وأوضح أن مقاتلي حماس يعتمدون بشكل أساسي على نصب الكمائن واستخدام العبوات الناسفة محلية الصنع، مستفيدين من مخلفات الغارات الجوية الإسرائيلية، إلى جانب المراقبة الدقيقة للقوات المتقدمة باستخدام أسلحة خفيفة، مشيرًا إلى أن هذه الطريقة "أثبتت نجاحها وليست جديدة".
وتطرق هيمان إلى المقارنة بالتجربة الأمريكية في العراق، قائلاً: "بعد احتلال العراق، انشغل الأمريكيون بالعبوات الناسفة بشكل مهووس، وقد استثمروا مبالغ طائلة لتطوير تقنيات التعامل معها، لكنهم دفعوا ثمناً باهظاً".
وشدد المسؤول العسكري السابق على أن "العصابات دائمًا تسبق الجيش النظامي بخطوة"، مضيفًا أن الجيش الإسرائيلي "سيحتاج وقتًا طويلًا جدًا لحسم المعركة، إن تُركت الأمور على حالها"، وأردف "لا نتحدث عن أسابيع أو شهور، بل عن فترة أطول بكثير".
ومساء الخميس، بثت كتائب الشهيد عز الدين القسَّام الجناح العسكري لحركة المُقاومة الإسلامية حماس، مشاهد نوعية ضمن سلسلة عمليات "حجارة داود"، لإغارة المجاهدين على تجمع لجنود وآليات العدو واستهداف آليتين صهيونيتين وباقرين عسكريين ومحاولة أسر أحد الجنود في منطقة عبسان الكبيرة شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع.
وأظهرت المشاهد لحظة اقتراب القسامي من باقر العسكري، واستهدافه، ليتبين لحظة هروب الجندي من داخله، إلا أن المجاهدين تبعوه وحاولوا أسره قبل أن يجهزوا عليه ويغتنموا سلاحه، قبل انسحاب المقاومين بسلام.
وقالت القسام، إنها تمكنت في العملية من استهداف آليتين صهيونيتين وباقرين عسكريين ومحاولة أسر أحد الجنود في منطقة عبسان الكبيرة شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع.
واعترف جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، ليلة الخميس، بمحاولة مجموعة من كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) أسر جندي خلال هجوم على قوة إسرائيلية نهار الأربعاء في خانيونس جنوبي قطاع غزة.
وقال جيش الاحتلال في اعترافه، إنَّ المقاومين حاولوا أسر الجندي "أفراهام أزولاي" خلال قيادته جرافة عسكرية في خانيونس بعد الوصول لها، قبل الإجهاز عليه واغتنام سلاحه.
وقالت مصادر عسكرية إسرائيلية، إن مجموعة مسلّحة خرجت من نفق في خانيونس وصعدت على جرافة عسكرية وحاولت أسر جندي، لكنه قُتل على أثر ذلك، فيما انسحب المنفذون من المكان.
وعلَّقت منصات على الحدث بقولها: "قرابة عامين على هذه الحرب اللعينة ولا يزال لدى حماس إمكانيات لاختطاف جنود، أحسنت يا هرتسي، أحسنت يا زامير".
