محمود مرداوي
أن تعلم أنك لا تعلم فهذه حكمة وبداية الطريق في مسار المعرفة، وإن طال وتأخر لكنك في الطريق المستقيم والمسار الصحيح ...
أما أن تبقى لا تعلم، ولا تعلم أنك لا تعلم فستبقى جاهلاً غارقاً في وحل الجهل.
إذن الخطوة الأولى تبدأ بالتشخيص والمعاينة، ثم تحديد العلاج بعد معرفة المرض وأسبابه، وإن أفتك الأعراض التي تُلحظ على الحياة السياسية الفلسطينية وتحتاج لدراسة وتشخيص من أجل الوقوف على الأسباب والمسببات التي أدت لكثير من الأمراض، وفي مقدمتها غياب الرؤية.
إذ أن وجود الرؤية وحضورها يريح الحالة الفلسطينية ويمنحها فرص أكبر في استقرار السياسة الفلسطينية وعدم ارتباكها واستغلال كل الجهود والمقدرات البشرية والمادية في خدمتها وتحقيق الأهداف المنبثقة عنها وفق الآليات الأجدى لتحقيقها والوصول إليها ...
إذن في ظل وجود الرؤية حتماً يتحقق الوضوح ومعرفة ما نريد وكيف نصل إلى ما نريد وبأي وسيلة وفي سياق أي خطاب ورواية نقدمها .
لكن السياسة الداخلية الفلسطينية هل ارتقت إلى هذا المستوى من الوعي ؟
نظرياً الكل يتحدث عن الرؤية السياسية وضرورة الوضوح في معرفة ما نريد وكيف نصل ونحقق ما نريد ، لكن الواقع يشير إلى أن القوى السياسية الفلسطينية لا تخرج عن أربع مستويات لفهم وتطبيق الرؤية ...
الأولى تدعي بأنها تملك رؤية كاملة متكاملة اشتقت منها أهدافاً واضحة وتملك وسائل وأدوات محددة، وتعتقد أنها تُنفَّذ بالتعاون مع س و ج ، والحذر من ف و ع ، لكن تخطئ في التشخيص وتبني رؤى ومواقف على أوهام ، أوهام ترتقي إلى ربط المشروع الوطني الفلسطيني برمته في غياب سياسة وحزب وقدوم آخر لدى العدو ، أو المراهنة على عزل ترامب وانتظار بينس، علماً أن الأخير هو العقل الأيديولوجي الذي أثر على ترامب فيما يتعلق باليهود وقضية وفلسطين ...
أو مشروع يعتمد على الأمة وينتظر نضوجها واكتمال استعدادها لأخذ دورها تجاه فلسطين، بينما تحديات الواقع أسرع في التأثير السلبي الضار والمدمر على حالة الصمود، حتى يتحقق ما يُتمنّى قبل إنهاك ما هو موجود .
أما الرؤية الثانية فتقوم على الوضوح وهدف وأدوات محددة، لكن غياب تجانس المرجعية التوجيهية مع تفكير الناس فبالتالي فقدان البيئة والحاضنة التي تحمل على كاهلها أعباء تلك الرؤية والأهداف، فنلحظ جمالاً في المعروض دون أثر في الواقع...
أما الصنف الثالث فلا رؤية ولا تصور سياسي يحكم إيقاع حركة اللاعبين في ظل وجود أهداف متناثرة لا تتعاضد ولا تتكامل ، وكل الوسائل المحددة لتحقيق الأهداف تتصادم مع بعضها البعض...
أما الرابعة تدور حيث داروا لا تملك رؤية متماسكة ولا تحدد معايير تشكل خطوطاً عريضة تفهم منطلقاتها ومآلاتها من أين بدأت وأين ستنتهي، تفتقر للشخصية والهوية السياسية، فمرونتها انعكاس لخصائصها غير المتماسكة ...
لا شك أن القضية الفلسطينية مركز الصراع ومحوره الساخن حضارياً بين الحضارات قبل أن يكون صراع بيننا وبين الاحتلال...
وكل الفشل والإخفاق البنيوي في الأحزاب والخلل في التخطيط والرؤى وتحديد الأهداف المرحلية والقدرة على تحقيقها من خلال استثمار الجهود والموارد البشرية والمادية محلياً وعلى مستوى إقليمي، ودولياً على مستوى العالم بأسره، والتي تقع تحت تصرف الفصائل الفلسطينية ، يتحملة الفلسطينيون دون أن نتجاهل أن العطب والإخفاق في مواجهة المشروع الصهيوني يشكل انعكاساً لفشل المشروع المناهض حضارياً للمشروع الغربي في المنطقة، ولا يتحمل الفلسطينيون كامل المسؤولية، لكنهم مسؤولون عن أخطائهم الكبيرة والمنهجية التي بددت جهود وأهدرت موارد وطاقات، وضيعت فرص وعجزت عن تجنب دفع ثمن الدسائس والمؤامرات ...
فهل يتعلم الفلسطينيون هذه المرة على أعتاب أخطر مؤامرة تستهدف تصفية قضيتهم فيتصدوا لها وفق رؤية وأهداف سياسية ونضالية موحدة ؟
