شروق أبو مرة - رام الله
في إحصائية أجريت في مدينة رام الله هناك ما يقارب خمسون بسطة ذرة متوزعة على المدينة، ومن بينها الأكثر شهرة بسطة مقامة في ساحة البيرة الثقافية، والمعروفة لصاحبها جهاد الفقيه.
ثلاث سنوات قضاها جهاد شبلا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، دخل إليها وهو لا يزال ابن ست عشرة ربيعا بعدما عانى في بداية السجن غربة الأهل وفراق صديقه الشهيد عبد البدوي الذي كان معه في نفس المجموعة عندما تم أسره في 2008 ليتنشق عبق الحرية في عام 2011 وهو رجل على أبواب العشرين، منطلقا للحياة الكريمة.
يقول جهاد لم تجر الرياح كما تشتهي السفن، فقد سُدت الأبواب في وجهي، مع كل عمل أتقدم له من أبناء الوطن قبل غيرهم، لا سبب سوى أنني أسير سابق ومثلي الكثير بدل أن يحتضنهم المجتمع ويتقبلهم يرفضهم بكل بساطة، ويتعجب بقوله: هل لأنهم ضحوا بسنيّ شبابهم ليعيشوا بحرية وكرامة.
جهاد الشاب الذي قارع السجان وانتصر عليه لا يعرف الاستسلام طريقا إليه.
يتابع خلال حوارنا خلقتُ لنفسي الفرصة، حتى لمعت في ذهني الفكرة، فتحولت من بيع الفلافل إلى بيع الذرة، والتي أضع فيها كل مهاراتي ونَفَسي وأتفنن في طهيها وتزيين الكأس بالملح والبهارات
وساعدني على افتتاحها أيام العيد لأجذب الأنظار إليها وأكسب العديد من الزبائن، فقد كانت من أولى بسطات الذرة التي وجدت لنفسها مكانا وسط المدينة الصاخبة قبل عشر سنوات تقريبا وافتتحتها في منتصف العام من 2012 ويتناوب معي أخي علاء في العمل بها، خاصة بعد أن توظفت في مصلحة المياه.
ويضيف بلهجته العامة" الحياة لم تكن يوما معبدة بالورود، فمن جديد واجهتني قسوتها، وكانت لقمة مغمسة بالذل، فقد ادعت بلدية رام الله أن القوانين تمنع وجود البسطات في الميادين العامة بحجة عرقلة حركة السير، خمدت أضواء البسطة وانفض الناس من حولها، فكانت تغلق في بعض الأحيان لمدة أسبوعين وأكثر لكني لم أستسلم، وخضت مع المسؤولين حوارا وضعت فيه النقاط على الحروف ونلت حقي في لقمة العيش الكريم، لتعود الروح إلى البسطة"
لم يكن نجاح جهاد أمرا سهلا ويسيرا، فهو يمتاز بلذة الذرة التي يعدها، وفرحة الصغير بتزيين كأس الذرة وخفة ظله في التعامل معهم وشعور الكبير بحسن الخلق والاحترام ولين التعامل لديه، إضافة على ذلك ملء الكأس بأكثر مما يجب أن يكون عليه، وبشاهدة الزبائن من الصغير والكبير على دماثة خلقه ولذة ما تصنع يداه.
يضيف جهاد مستمر في عملي رغم أني انقطعت مرتين بسجني للمرة الثانية والثالثة عنها ما بين عامي 2016 حتى 2018، لتسرق السجون من عمري خمس سنوات ونصف في مجموع اعتقالاتي، وبشهادة أحد الزبائن من نابلس يقول:جربت كل بسطات الذرة في رام الله ولم أجد أشهى من الذرة التي يصنعها جهاد بيديه ويضيف لها نكهته الخاصة والتي تميّزها عن غيرها، وافتقدته كثيرا عندما تم أسره وافتقدت لذة الذرة وخاصة في الشتاء.
جهاد الفقيه ابن مخيم الجلزون صاحب بسطة الذرة الأولى والأكثر شهرة ولذّة في رام الله والمقامة في ساحة بلدية البيرة والتي يتدافع الناس عليها كثيراً وإن اشترى أحدهم لأول مرة فمن المعروف أنه يعود له ليعاود الكرّة في أكل الذرة من عنده، يبدأ عمله من الساعة الثانية ظهرا حتى الساعة الثانية عشر ليلاً ليوفر لقمة العيش بالحلال.
تلك العربة الصغيرة والتي تنقلت من مكان لمكان وكانت شاهدة على الكثير من القصص والأحداث، في محاولة منه ليثبت نفسه بنفسه متحديا كل الظروف ويحمل هم الوطن بعمله باحثا عن رزق الحلال دون أن تثنيه المعيقات والصعوبات، لا برد شتاء يوقفه ولا حر الصيف يثنيه، وتبقى الأحلام والوطن مختبئة في عيونه وبنجاحه الذي حققه رغما عن كل من رفضه
