الخليل - خاص شهاب
الكثير من الصفحات المميزة في تاريخ المقاومة الفلسطينية بالضفة الغربية، غاب عنها التوثيق بسبب الوضع الأمني للفاعلين فيها والملاحقة المستمرة من قوات الاحتلال، والعديد من هذه الصفحات غابت بفعل استشهاد أصحابها بعمليات اغتيال أو محاصرة واستشهاد، أو اعتقال، أو خشية من الملاحقة لضروريات أمنية.
في هذه المحطة يسرد أحد شهودها عن تفاصيل هذه المجموعة التي ضمت مقاتلين من مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وعاشوا مرحلة من المطاردة من قبل الاحتلال وأعوانه.
الشهود تحدثوا عن معلومات تكشف للمرة الأولى عن أعمال هذه المجموعة المقاومة في كتائب الشهيد عز الدين القسام، والتي بدأت أعمالها مع بداية انتفاضة الأقصى عام 2000م، وتكونت من الشهيد مراد علي القواسمي والأسير إياد عبد المعطي أبو شخيدم، ليلتحق بعدها بهما الشهيد عمر هشام الهيموني، حيث بدأت العمل باكراً وجرى تجهيزهم لتصنيع العبوات والأحزمة الناسفة.
وفي التفاصيل، تعرض إياد ومراد للاعتقال من قبل قوات الاحتلال، وحوكما على أمور خفيفة دون الكشف عن عملهم العميق ضد الاحتلال، وبعد الإفراج عن إياد أبو شخيدم، بدأت مطاردة الشهداء باسل القواسمي وأحمد بدر وعز الدين مسك، الذين قرروا عدم العودة إلى سجون الاحتلال.
نفذ باسل وأحمد وعز أولى عملياتهم، التي تمثلت بإطلاق نار من أسلحة بسيطة، لم تأتي أغلبها بالنتيجة التي كان يسعون لها، فبدأوا البحث عن وسائل أكثر جدوى، واتفق المقاومون الثلاثة على الصيام حتى يسهل الله لهم أمر هذه الوسائل، فجرى ربطهم عن طريق التنظيم مع إياد ومراد، دون أن يتعرفوا عليهم شخصياً واستمر هذا الحال لفترة.
تواصل محمود علي القواسمي مع باسل الهيموني، وهما من مجموعة ثالثة، وأخبره بأن الشباب يريدون مواد تم اخفاءها في منطقة جبلية خلف منزلهم في منطقة وادي أبو كتيلة بمدينة الخليل، ولم يكن يعلم باسل الهيموني أين هذه المواد وماهي وفي أي منطقة بالتحديد، فبدأ البحث، وكانت التعليمات فقط أن يتم البحث عن هذه المواد، وبعد محاولات حثيثة عثر على ما كان يبحث عنه.
استدل باسل الهيموني على مخبئ المواد عن طريق ملابس الشهيد محمد يغمور والذي ارتقى شهيدا بعد محاصرة منزله من قوات الاحتلال، والتي كان يرتديها في صورته المنشورة بعد استشهاده بالسلاح، وعن طريق هذه الملابس استدل على المكان، وعثر داخل برميل على 80 كيلو غرام من المواد المتفجرة وحزام ناسف جاهز.
تم نقل هذه المواد للملثمين، الذين أداروا عمل القسام في الخليل بطريقة أمنية، حيث يتم التواصل مع المجموعات الأخرى عن طريق أشخاص معروفين وثقات ومن خلالهم يدلوهم على النقاط الميتة للالتقاء فيما بينهم ويكونوا ملثمين عند اللقاء ولا يعرف أحدهم الآخر.
وبفعل الاحتياطات الزائدة للملثمين، اعتقد البعض أن هؤلاء من خارج مدينة الخليل، وبقيت مخابرات الاحتلال في حيرة من أمرها لفترة طويلة دون أن تستدل على أي طرف خيط يربطهم ببعض.
بداية تحقيق الهدف
وصلت المواد المتفجرة بالفعل لمراد القواسمي وإياد أبو شخيدم، وهم من كانوا يصنعون المواد لمجموعة الخليل القسامية التي كان يقودها باسل القواسمي وعز الدين مسك وأحمد بدر، وكانوا يستلمون المواد ويقومون بكل شيء بعدها من تنظيم الاستشهادي وتصويره وتجهيزه وتوصيله للمكان المحدد لتنفيذ العملية.
وكانت العمليات تنفذ والاستشهاديين يرتقون وأحمد وعز وباسل لا يعلمون من هم الاثنان اللذان يرسلان المتفجرات، حتى حصل موقف من الشيخ عبد الله القواسمي، الذي قال لإياد أبو شخيدم: " الله أكبر لمتى ستبقى مخبي وجهك ومخفي نفسك عن باسل"، حتى عرفه عليه.
وقتها، كان عمر هاشم الهيموني يريد تنفيذ عملية استشهادية وسجل اسمه على هذا الأساس، وقابل باسل القواسمي الذي قرر بعد جلوسه مع عمر رفض إرساله كاستشهادي، لأنه يستطيع الاستفادة منه لأمور أكبر وخاصة محيط منزلهم واستغلاله كنقطة ميتة ووضع سلاح ومتفجرات فيه، وتم إرسال فؤاد القواسمي كاستشهادي بدلا عنه.
استمر عمل عمر مع خلية باسل القواسمي وعز الدين مسك وأحمد بدر، كما أنه كان على معرفة مع إياد، استمرت العلاقة عقب اعتقال الاحتلال لمراد القواسمي واستشهاد أحمد وعز، وعقب استشهادهما شعر باسل القواسمي باقتراب ما يتمناه، واللحاق بالصحبة المجاهدة.
التقى باسل بعماد القواسمي الذي كان مطاردا للاحتلال وقتها وسأله عن رغبته بالعودة للعمل العسكري، وبعد الموافقة طلب منه عقب استشهاده التوجه إلى عمر الهيموني "وإخباره عن عدة أمور سيعرفك من خلالها".
وبعد استشهاد باسل شفيق القواسمي بأيام، توجه عماد القواسمي إلى منزل عائلة عمر الهيموني والذي كان في المسجد وقتها لصلاة العصر، فتوجه إلى المسجد والتقى به، وأخبره عن وجود سلاح ومتفجرات لديه وأنه يملك ورقة كاملة بالموجود لدى عمر، أنكر عمر الموضوع في البداية وبعدها أخبره بأنه سيرد عليه.
توجه عمر الهيموني لإياد أبو شخيدم وحدثه عما دار بينهما- بين عمر وعماد- ورد عليه إياد بالتمهل حتى التأكد من مراد القواسمي والذي كان معتقلا في سجون الاحتلال حينها، وتواصلوا معه بطريقة ما، وتلقوا جوابه بالسماح لهم بالتواصل معه وأنه لا يوجد أي مشكلة في ذلك.
أفرج بعدها عن مراد القواسمي من داخل سجون الاحتلال، وكان التجهيز قد بدأ لعملية مزدوجة ردا على اغتيال الإمام المؤسس أحمد ياسين والقائد عبد العزيز الرنتيسي، يذكر وقتها أن مجموعة أخرى في المدينة كانت تحضر للرد على استشهادهما بسبع عمليات استشهادية ولكن لم يكتب لها النجاح واعتقل أفرادها وعلى رأسهم نشأت الكرمي الذي تعرض لإطلاق من قوات الاحتلال الخاصة.
رؤية الشهادة وموقف طريف
ومن المواقف التي حصلت وبقيت عالقة في أذهان هذه المجموعة، عندما كان يجري تجهيز الاستشهادي الشيخ رائد مسك لإرساله للقدس المحتلة، وفي الليلة الأخيرة له في مدينة الخليل، كان يهم عمر الهيموني بنقل الحزام الناسف الخاص بالشيخ رائد في مركبته بعد استلامه من إياد وتسليمه لباسل القواسمي، ولم يكن يعرف من هو الاستشهادي الذي سيتزنر به في لحظة زفافه الأخير نحو الجنة.
ركن عمر المركبة التي يستقلها وفيها الحزام أمام المسجد وتوجه لصلاة العشاء، وبعد الصلاة التقى به الشيخ رائد، وكان يلاحظ عليه الالتزام الدائم بالصلاة، فسأله رأيه عن التوجه لحور العين والشهادة، فرد عليها عمر بأنه لا يريد حور عين بل حور طين ولا يفكر بأمر الاستشهاد حاليا، في محاولة منه للتمويه عن نفسه، رده صدم الشيخ رائد وحاول ثنيه عن رأيه حتى أتى خادم المسجد وطلب منهما المغادرة، لأن الوقت تأخر وعليه الاستيقاظ مبكراً لصلاة الفجر، فاستجابا له وخرجا، كما طلب.
ذهب عمر الهيموني لباسل القواسمي وسلمه الحزام الناسف، وبعدها بساعات توجه لصلاة الفجر ليلتقي عقب انتهاء الصلاة بالشيخ رائد مسك الذي كان ليلتها يمضي يومه الأخير في الدنيا ويودع شقيقاته وأهله ويزورهم دون أن يخبرهم بشيء، فأتاهم خادم المسجد وهو مسرع ويبكي ويطلب السماح منهما لأنه أخرجهما من المسجد، ولحقهما من مكان لمكان وهو يقص عليهما ما شاهد، فطلبا منه التمهل وأن الأمر لا يستحق كل هذا منه، فأخبرهما إمام المسجد أنه رأى رؤية شاهدهما فيها يحلقان في الجنة ولهما أجنحة وهم فرحين.
فضحكا على هذه الرؤية وأخبراه أنهما غير منزعجان منه وألا يشعر بالحزن، وبعدها بساعات فجر الشيخ رائد مسك نفسه في حافلة للمستوطنين في القدس المحتلة بعد تدنيسهم لحائط البراق قرب المسجد الأقصى، وقتل منهم أكثر من عشرين، فعلم خادم المسجد بما حصل وأصبح يبحث عن عمر ويقول له هل رأيت أن ما شاهدته هو حقيقة وأنت ستلحقه فسامحني، وبقي عمر يتهرب منه لأنه كلما رأه ذكره بما حصل وسأله السماح، وكان عمر يقص ما حصل على إياد أبو شخيدم ويقول له مازحاً: "أنا رايح رايح خادم المسجد شافني مع الشيخ رائد الدور عليكم".
الظن الواهم
بعد ارتقاء الشهداء باسل القواسمي وعز الدين مسك وأحمد بدر، ظنت مخابرات الاحتلال أنها حطمت القسام في الخليل، وأنه لن تقوم له قائمة بعد ذلك، لتصدم بعدها عقب عملية بئر السبع المزدوجة التي نفذها الشهيدان أحمد القواسمي ونسيم الجعبري، بأن القماش الذي استخدم لكل الأحزمة الناسفة في عمليات الاستشهادين التي أشرف عليها الشهداء أحمد وباسل وعز، هي نفسها التي صنع منها حزاما الاستشهاديان القواسمي والجعبري، فعرفوا أن المصدر لكل هذه الأحزمة هو واحد وبدأ التضييق عليهم.
كان ميزة عمل مجموعة إياد أبو شخيدم ومراد القواسمي وعمر الهيموني يرتكز بشكل أساسي على النقاط الميتة في التواصل مع المجموعات أو في تلقي أو ارسال أي أمور تتعلق بالعمل العسكري، وكان لديهم طريقة بالكتابة على حائط معين وكل مجموعة لها حائط خاص بها يتم الكتابة عليها بطريقة مشفرة، أين ومتى موعد اللقاء، وكل يوم كان يتم تتبع هذه الطريقة لمعرفة هل يوجد أي جديد.
وحتى لا تعرف مجموعة إياد ومراد وعمر من هم أعضاء مجموعة محمود القواسمي وباسل الهيموني أرسلوا مصعب الهشلمون؛ لأن محمود القواسمي هو شقيق مراد القواسمي وباسل هو شقيق عمر، وكانوا قد شكوا فيهم سابقا ولكن كان إرسال مصعب للتمويه على ذلك، وحتى يستمر عملهم رغم أنهم تصادفوا أكثر من مرة، حتى باقي المجموعات كانت تظن أن مجموعة إياد أبو شخيدم هي من خارج المدينة بسبب طريقة النقاط الميتة التي تتم ولم يتعرف عليهم أحد.
ليلة المداهمة
استمر هذا الحال حتى اعتقال المطارد عماد القواسمي وكشف النقاب عن خلية الملثمين القسامية التي كانت مسؤولة عن تصنيع أغلب الأحزمة الناسفة التي نفذت انطلاقا من مدينة الخليل خلال الانتفاضة واستمر عملها لسنوات، وبدأت قوات الاحتلال بمداهمة منازل أعضاء الخلية الثلاثة في نفس اللحظة، منزل عائلة عمر الهيموني ومنزل عائلة مراد القواسمي ومنزل عائلة إياد أبو شخيدم، وهم في نفس المنطقة تقريبا.
وعما حدث ليلتها يقول باسل الهيموني أن ليلة المداهمة لفت انتباهه وجود مسدس مع شقيقه عمر، وأخبر باسل بأن عليه اعتراف لدى قوات الاحتلال ويجب أن يبيت في المنزل، فأجابه عمر بأنه لا علاقة له بذلك، فأعاد باسل الحديث وقال له الاحتلال لن يسمح بتكرار تجربة باسل وأحمد وعز، رد عليه عمر: "ياخدوهم كلهم أنا شو إلي علاقة فيهم".
ذهبا بعدها للنوم، وأثناء محاولة جلوس عمر على سريره فوقع به السرير وضحك باسل على ذلك، وحاول مرة أخرى الجلوس عليه بعد ترتيبه، فوقع مرة أخرى، كأنها رسالة بأن لا يبقى في المنزل، ونام باسل وهو يعتقد أنه عمر لازال على سريره، بعدها ليستيقظ على أصوات اقتحام قوات الاحتلال للمنزل بأعداد كبيرة، وكان يرافقهم ضباط، وهم قائد مخابرات الاحتلال في الضفة وفي الخليل وفي المنطقة.
اقتحموا المنزل وجمعوا كل من فيه في ساحة خارجية، وسأل أحد الضباط والده هاشم الهيموني، هل كل أولاد في المنزل؟، فأجاب: بنعم، لأنه يعرف أن الجميع في المنزل، فبدى الارتياح على وجوه ضباط المخابرات، فسأل بالتحديد عن عمر، فبحث عنه ليتفاجأ بأنه غير موجود مع أولاده، فغضب الضابط واتجه مسرعا باتجاه والدهم وأمسك رقبته وسأله مجددا أين عمر وهو يجيب لا أعرف لا أعرف، وأخضعوهم جميعا للتحقيق الميداني.
استطاع مراد واياد وعمر الهرب من اقتحامات الاحتلال والعيش مطاردين حتى محاصرتهم في أحد المنازل في منطقة الجلدة، وارتقى مراد القواسمي وعمر الهيموني شهيدان، بينما أصيب إياد أبو شخيدم بعدد كبير من الرصاص، وكانت حالته خطيرة ونقل للعلاج، وهو معتقل حاليا في سجون الاحتلال بعد الحكم عليه مدى الحياة.
