عبد الله العقاد

الطالبان نموذج التحصين من آفات الثورة…!

منذ أن بدأت إرهاصات الغزو الأمريكي لأفغانستان، وأمريكا تضع في حسبانها كل تجارب الاحتلالات التي سبقت، وما لاقته في هذه الجبال الشاقهة، والعزائم القوية من العنت والهزائم..

فحرصت أولاً، أن لا تكون وحدها، فدخلت في صيغة تحالف دولي، ثم تحالفات محلية من العملاء الخالصين حتى أصحاب المصالح المتضررين من الوضع القائم يومذاك في بلاد الأفغان.

ثم استدعاء عملائها الذين عملت بهم من الخارج، فكان على رأس هؤلاء كرزاي.

ولكن الأهم، غير كل ما فعلته سابقاً، أنها حاولت وحاولت.. اختراق الطالبان، بالاقتراب من أقطابها كل منهم على انفراد؛ فنشرت المستشارين من ضباط الـ سي آي إي، ليقوموا بالمهمة مهما كلف الثمن، وبأي ثمن ممكن..

هذه المهمة الأخير كان الفشل فيها بارزاً وكبيراً، والاختراقات كانت هشة وهامشية وضحلة، وذلك راجع لبنية طالبان العقدية، وأن قوتهم كانت في بساطتهم، فكانوا يرون كل ما في أيدي الاحتلال أحقر ما أن يغريهم بأعظم ما يملكون، وهو (الانتماء) لوطنهم ودينهم.

وهنا يتحطّم سلاح الإغواء والإغراء، فلم ينظروا للعروض بأنها ذات قيمة، وكان ارتباطهم مدهش بالقائد الملا عمر الشاب الثلاثيني يومها، والذي لا يملك من الدنيا أكثر مما يملكه أفقرهم، رباط العقيدة عظيم عندما تعززه القناعة بالقائد.

وكان لهذا الفشل في الاختراق، وعدم القدرة اختلاق قيادة بديلة موالية للغزو من الطالبان تحت مبررات واهية، جعل الغزو بكل تفاصيله على صفيح الأفغان الساخن من أول يوم حتى الانقشاع.

صدام دام مع الثورة، رغم سقوط الحُكم الذي كانت تمارسه الطالبان بعد فارغ مقصود، وصراع الأخوة الأعداء على تركة ما بعد غزو السوفييت.

حقيقة، لم يعاند الطالبان في الدفاع عن المقار المتهالكة لحكومتهم، فأسرعوا إلى الكهوف في قمم الجبال، حتى يهبط الغزو من السماء، ليكونوا أهدافاً سهلة الوصول، وممكنة الانتزاع.

وقد تسنى لهم ذلك، فكانت القوات الغزو وعملائها في إقامتها وتنقلاتها كأفواج البط في ميدان الرماية، وهنا، وجدت أمريكا أن كل ما فعلته، واحتاطت به ومنه  ليس إلا سراباً أمام قيظ الثورة.

فلم يغني عنها التحالف شيئاً، ولم تغني عنه، ولم ينفعهم عملاؤهم شيئاً، ولم ينفعوهم، فالكل في دائرة الاستهداف.. أحزاب الشمال، وجواسيس المهجر، جميعاً كلهم وجدوا أنفسهم في فخاخ الثورة التي كان الطالبان على جاهزية لها.

وهنا، أقف لأذكر بما هو واجب، أن الطالبان لم ينفقوا وقتاً طويلاً أو قصيراً، ولم يهدروا مالاً كثيراً أو قليلاً في إقناع أحد بحقهم، ففي الثورة يكفي أن يكون الثوار هم المقتنعون بالحق لدرجة اليقين الذي لا يخالجه شك، وأنهم ثوار حرية، وأصحاب الديار المؤتمنون، وأن الفريق المقابل بكل من فيهم، ليس إلا غزواً همجياً يستهدف البلاد..

 *لا فرق إن كانوا أفغان أو أمريكان، سواء في أشكال أحزاب أو مترجمين، أو جواسيس في هيئات معارضين من تحت بسطار الاحتلال (لتحسين شروط العبودية).. لم يلتفت الطالبان لكل هذه التفاصيل، ولم يغوصوا فيها، وكان الفرز على أساس واحد، من ليس مع الثورة، فهو مع الاحتلال والعدوان، إلا من كف واكتفى، ومن شارك العزو ولو بشق كلمة كان من الغزو.

ولم ينشغل الطالبان بالوحدة، ولم يطرحوا أي من صيغ للحل المرحلي أو النهائي، غير الثورة المسلحة حتى إعلان الإنسحاب الكامل ودون شرط أو قيد.

وإنه لم يكثروا الخروج للإعلام، والمشاركة في مؤتمرات التنديد والاستنكار، ولم ينشغلوا في توثيق الخطابات، ولا حتى العمليات إلا قليلاً منها، ولم يخرج قادتهم للإعلام أبداً، بل كانوا أبعد ما يكون عنه في مرحلة الثورة، فهم جميعاً في الميدان سواء.

قاتلوا ببسالة، شهد لهم بها الأعداء قبل الأصدقاء، فكانوا ثواراً أنداداً لأعظم احتلال تجبراً وحشداً ونفرة وفساداً في الأرض، فلم يرهبهم ذلك شيئاً، ولم يطلبوا الإذعان يوماً..

وما تشككوا أنهم أصحاب حق أمام قوة ما يمتلكه الباطل من البطش، ولم يطالبوا الاعتراف، أو أحداً يعترف بهم، اكتفوا بالميدان؛ فدان الجميع لهم بالاعتراف !

يمكن أن أقول: لقد انشغلوا بواجبهم حتى اضطر الجميع أن يصغوا لهم صاغرين.

عند التفاوض، أعطوا مهلاً للانسحاب يرعاها الوسطاء، وكانت ضمانتهم أنهم مستمرون في القتال في كل الجبهات، وأن العملاء خارج أي اتفاق، إلا من هرب منهم.

حتى رأينا الانتصار على أعظم شكل للطالبان، والخيبة لقوات الغزو التي تنهار كل خطط الانسحاب أمام تقدم الثوار، فخرجت وهي تجر أذيال العار من الجواسيس لفظتهم الأرض، فتساقطوا كالذباب من أجنحة الطائرات المغادرة على جناح السرعة.

في عقدين اثنين، أنهى الطالبان غزواً كان مقرراً أن يستمر في قواعد عسكرية أمريكية ونيتاوية آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها من كل مكان من البلاد المنهوبة المنهوكة على أيدي حكومة جواسيس تحكم باسم الدين أو الوطن لا يهم الشعار المهم أنهم أدوات الاستحمار، وملاقط الاستعمار ..

كما هم يفعلون في بلاد العُرب أوطاني، ويفعل الاحتلال الصهيوني في بلادي !

 إن في ثورة الطالبان حِكم وعظات أنتم عنها غافلون، وما صرفكم عنها إلا الغَرور والغُرور .. أيها الثوار، تعلّموا من ثورة الطالبان ضد الغزو الأمريكان، فهي دروس وعبر، لمن رام أقصر طرق الانتصار.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة