«أوسلو» لقيط خبيث تخلق من نطفة شيطانية وضعت في رحم الثورة الفلسطينية لحظة سقوط وغفلة، بدأ دبيبها بتسلل تيار (الوكالة اليهودية) كما كان يسميه الثوار في حينه، وعبر جبهات تم إنتاجها لهذا الخصوص.
وقد ابتدأت هذه الفكرة، بالتنظير لأهمية وضرورة الانفتاح على (المجتمع الصهيوني) عبر أدوات معدة جيداً لتقوم بهذا الدور الخطير.
جرى رعاية هذه النطفة بعناية فائقة من دول كبيرة، وأخرى اقليمية، وفي طريق تخليقها كان يزاح من أمامها كل ما يمكن أن يعترضها أو يتعارض معها، فجرى طرد واغتيال معنوي لكثير من القيادات الثورية القوية، أو تشتيتها بعمل جانبي، أو نفيها في مكاتب بعيدة، أما الرؤوس الثورية الكبيرة فقد تم تصفيتها جسدياً، فرادى مثنى وثلاث، وفي ظروف مختلفة.
حتى لم يتبقى غير هذه النطفة الخبيثة التي تفتك في جسد الثورة، ولم يتبقى حول أبو عمار غير هذا التيار الفاعل داخل حركته، بعد أن تم الإجهاز على الجميع، ولا أبرئه مما حدث، ولكن كان الاستدراج كبير، ومموه بشكل فائق التعقيد.
وكانت أولى ثمار هذا التيار الفعلية، وعبر فصيل طفيلي تاريخياً حديقة خلفية لكل طرح استسلامي تصفوي، أنه زين الخروج المذل من لبنان للقوات الفدائية؛ لكسر إرادة المقاومة، وعلى هذا تم تصفية القيادات التي تبقت أو عارضت الخروج المذل، فكانت أولاها تصفية قائد أركان القوات المقاتلة البطل سعد صايل "أبو الوليد"، وقد طوي ملفه بطريقة هزلية، وبعده صفي عضو المجلس المركزي ماجد أبو شرار، ثم أبو جهاد المؤسس الأول لحركة فتح، ثم أبو إياد صلاح خلف مؤسس الأمن الموحد، وأبو الهول هايل عبدالحميد وقيادات كثيرة..
وبعد سلسلة التصفيات التي كانت تجري بدقة متناهية أخليت الساحة لكي يخرج النبت الشيطاني من قمقمه في خلقته الخبيثة.
بدأ مشوار تصفية القضية، بما سمي «بالحل المرحلي» حيث كان واجباً الإسراع فيه؛ لأن ثورة شعبية فلسطينية (الانتفاضة الأولى) كانت تتصاعد بشكل مخيف، وفي تصاعدها الكبير كان يعلو نجم فصيل مقاوم (جديد المولد قديم الجذور) إنها حركة حماس التي تعزز حضورها الثوري حتى أصبحت تهدد بسحب البساط من تحت أقدام من يعدون ليكونوا (شركاء) الاحتلال، بتسميتهم أنفسهم بذلك.
فتم تسريع الخطوات، وتجميع القوات ولملمتها من بعد شتات، جراء تجفيف منابعها المالية حتى لا يكون أمامها غير القبول أو النهاية في شقاء العوز والفقر، وهذا ما حدثنا به الكثيرون منهم، وبما حل لهم من سياسة التجويع والإهانة الممنهجة.
فكانت «أوسلو» المصيدة لإدخال الفدائي الفلسطيني في قفص التطويع القسري، ثم الترويض المذل، ثم الاستخدام الخياني لقمع الثورة، ومكافحة حركات النضال الفلسطيني.. هكذا جرت هندستهم ليكونوا على الحال الذي نراه منهم اليوم في الضفة المحتلة.
لكن ليس هناك نجاح مائة في المائة، ولكل قاعدة استثناء، وأحياناً الاستثناء يكون هو القاعدة وهو الصحيح، فخرج عن طوع التطويع الكثيرون، وهذا ما رأيناه جلياً في انتفاضة الأقصى، واليوم يتسرب من هذا التطويع أبطال في الضفة اصطفوا مع شعبهم، ولكن لازال التطويع ينتج فسائل خبيثة، تقوم بكل ما كان يتكلفه الاحتلال، وما يجب أن يسدد أثمانه غالياً.
فهذا النبت الخبيث، بدون شك، قد قلل فاتورة الاحتلال على نحو كبير، لدرجة أنه أصبح بلا تكلفة، بل وزاد له فائضاً تشغيلياً أغراه بالمزيد من مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، وهنا الحديث عن الضفة المحتلة، أما غزة فقد اقتلعت الاحتلال من جذوره، وأخرجته منها ذليلاً، فهو يحاول وعبر ذات عصابة التنسيق الأمني خنقها بكل ما يمكنهم فعله.
ومما يجدر الإشارة إليه أن جيش الارتزاق الذي تفتقت به «أوسلو» قد أصبح الملاذ الأخير للاحتلال في مواجهة انتفاضة تأخذ طريقها نحو تفكيك المستوطنات، ورفع تكلفة وجوده إلى الدرجة التي لا يحتملها، فنجده اليوم يسلح أجهزة التنسيق الأمني بعد عجزة عن مواجهة الثورة بعربات مدرعة ومعدات حديثة.
لكن شعبنا لا يمل الثورة، لا يمكن هزيمته أبداً، فكلنا على موعد مع الحرية والتحرير.
