تقرير/ شهاب
يقف محمد الخالدي على أعتاب منزل مدمر في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، يراقب الشبان المتطوعين الذين يواصلون البحث عن جثامين الشهداء المفقودين تحت أنقاض المنازل المدمرة. عيناه دامعتان، وقلبه يحترق على أمل أن يُعثر على جثمان شقيقه الذي ارتقى نهاية العام الماضي، ليتمكن أخيرًا من مواراته الثرى.
الخالدي ليس الوحيد الذي يعيش هذه اللحظات المؤلمة، بل تقف آلاف العائلات الفلسطينية المكلومة في مواجهة هذه المأساة، إذ تضاف معاناة المفقودين إلى سجل الحكايات المأساوية التي خلفتها الحرب الطاحنة التي استمرت لنحو 15 شهرًا. ووفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي، فإن نحو 14 ألف مفقود لا يزالون تحت الأنقاض منذ بدء العدوان على القطاع.
يقول محمد الخالدي: "كل أملي أن أتمكن من إخراج جثمان أخي من تحت ركام منزلنا الذي دمرته طائرات الاحتلال الإسرائيلي، لأكرم جثمانه وأدفنه وفقًا للشريعة الإسلامية، ولكن الأمر يبدو بعيد المنال بسبب قلة الإمكانيات والمعدات الثقيلة التي تحتاجها الطواقم لانتشال الشهداء".
وبعد يومين من البحث المضني بمعدات بسيطة، لم يحالفهم الحظ في العثور على جثمانه، ليبقى مفقودًا ضمن آلاف المفقودين في قطاع غزة.
حتى هذه اللحظة، لا تزال جثامين الشهداء مدفونة في الطرقات، والمدارس، والمرافق العامة، بالإضافة إلى أكثر من 14 ألفًا آخرين لا يزالون تحت الأنقاض، حيث تحولت أجسادهم إلى رفات وبقايا عظام، بينما تجد فرق الدفاع المدني والطواقم الطبية نفسها عاجزة عن انتشالهم بسبب قلة الإمكانيات.
"عزاء جديد"
من جانبه، قال أحمد العطار إن استخراج جثامين أفراد عائلته الذين استشهدوا جراء قصف الاحتلال الإسرائيلي لمنزلهم في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة يمثل عزاءً جديدًا مع كل جثمان يُنتشل من تحت الركام.
وأضاف العطار: "معاناتنا لا توصف، فنحن نعيش فاجعة متواصلة، إذ نتمكن كل يومين أو ثلاثة من العثور على جثمان آخر من عائلتنا، وذلك بفضل البحث اليدوي الذي نقوم به بسبب نقص المعدات اللازمة".
وأشار إلى أنه في اليوم الأول بعد قصف منزل العائلة، تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال عدد من الجثامين، لكنها اضطرت للتوقف بسبب الضغط الهائل على طواقمها وقلة إمكانياتها، ما أجبر العائلة على البحث يدويًا عن بقية الجثامين المدفونة تحت الركام.
ولفت إلى أن عائلته اضطرت إلى استئجار جرافة صغيرة بمبلغ كبير جدًا للمساعدة في إزالة الركام، لكن حجم الدمار كان أكبر من أن تتمكن الجرافة من التعامل معه.
وطالب العطار بتدخل دولي عاجل للضغط على الاحتلال الإسرائيلي لضمان إدخال المعدات اللازمة لانتشال الضحايا وإزالة الأنقاض، مشددًا على أن "انتشال الجثامين يمثل مأساة إنسانية يجب أن تكون على سلم الأولويات الحكومية والمؤسسية والدولية".
"واقع مرير"
على مدار 15 شهرًا من الحرب المدمرة التي طالت البشر والحجر، دمر الاحتلال الإسرائيلي مدنًا وأحياءً كاملة في شمال ووسط وجنوب قطاع غزة، مما أدى إلى احتجاز جثث آلاف الضحايا تحت الركام.
الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، قال إن المديرية العامة للدفاع المدني تلقت آلاف البلاغات من أهالي المفقودين منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في القطاع، لكنها تواجه صعوبات هائلة في التعامل مع هذه البلاغات.
وأضاف بصل: "فقدنا أكثر من 85% من مقدراتنا خلال الحرب، بما في ذلك المركبات والمعدات الثقيلة، ونحن بحاجة ماسة إلى الدعم لاستكمال عمليات انتشال الجثامين".
وتابع: "حتى الآن، لم نتلق أيًا من المعدات المطلوبة، مما يعيق عملياتنا ويتعارض مع الأعراف الدولية الخاصة بإكرام الموتى".
"مأساة إنسانية"
من جانبه، أعرب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا عن قلقه العميق إزاء استمرار العرقلة الإسرائيلية لدخول المعدات اللازمة لانتشال جثامين آلاف الضحايا العالقين تحت أنقاض المباني التي دمرها الاحتلال في قطاع غزة.
ودعا المركز، في بيان صحفي، المؤسسات الدولية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية والضغط على الاحتلال الإسرائيلي للسماح الفوري وغير المشروط بإدخال المعدات اللازمة.
وأشار إلى أن الاحتلال، في خرق صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، أقدم في 2 مارس 2025 على إغلاق المعابر، ومنع إدخال المساعدات، مما يعني عمليًا القضاء على أي أمل في إدخال المعدات الثقيلة الضرورية لإزالة الأنقاض وفتح الطرق وإزالة المباني الآيلة للسقوط.
ووفقًا للمركز، فإنه خلال 42 يومًا، لم يسمح الاحتلال بدخول سوى 9 آليات فقط من نوع جرافة محدودة الكفاءة، رغم أن تفاهمات وقف إطلاق النار تضمنت إدخال 100 من المعدات الثقيلة المتنوعة، بينما تشير التقديرات إلى أن القطاع بحاجة إلى ما لا يقل عن 500 من هذه الآليات. ولم يُسمح كذلك للمؤسسات والشركات ورجال الأعمال بشرائها أو استئجارها من الخارج، مما يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية.
وأكد المركز الحقوقي أن فرق الدفاع المدني الفلسطينية، ورغم إمكانياتها البدائية، تمكنت من انتشال جثامين نحو 750 شهيدًا، بينما تشير التقديرات غير النهائية إلى أن أكثر من 8,000 آخرين لا يزالون تحت الأنقاض، ينتظر ذووهم انتشالهم ودفنهم بكرامة.
وشدد على أن استمرار منع دخول المعدات اللازمة لا يُبقي آلاف العائلات الفلسطينية في حالة من الألم والانتظار فحسب، بل يمنع أيضًا تحديد أعداد المفقودين والمخفيين قسرًا بدقة، ويعرقل حسم ملف الجثامين.
وطالب المركز بتدخل دولي عاجل للضغط على الاحتلال لضمان السماح الفوري وغير المشروط بإدخال المعدات اللازمة لانتشال الضحايا وإزالة الأنقاض.
كما أكد ضرورة إرسال فرق دولية متخصصة في البحث والإنقاذ مزودة بالمعدات الحديثة لتعزيز جهود انتشال الضحايا، إلى جانب إدخال فرق فنية وخبراء في الطب الشرعي والفحص الجنائي إلى قطاع غزة للمساعدة في التعرف على هوية الضحايا وتحديد مصير المفقودين.
وحمل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تعنته وانتهاكه للقوانين الدولية من خلال منعه دخول المعدات والفرق الفنية، مما يفاقم الأزمة الإنسانية.
وأكد أن ملف المفقودين في قطاع غزة، سواء كانوا تحت الأنقاض أو ذوي مصير مجهول أو مخفيين قسرًا، يمثل مأساة إنسانية كبرى يجب أن تتصدر أولويات المجتمع الدولي.
