تقرير – شهاب
وسط تصعيد إسرائيلي متواصل في الضفة الغربية، بدأت تتبلور ملامح خطة إسرائيلية أمريكية تهدف إلى إعادة هيكلة مخيم نور شمس في مدينة طولكرم، في خطوة قد تشكّل نموذجًا لتفكيك المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وإعادة تعريفها إداريًا وعمرانيًا، تمهيدًا لتسليمها تدريجيًا إلى السلطة الفلسطينية.
وفي ظل هذه المؤشرات، يُبدي مراقبون تخوفهم من أن يكون مخيم نور شمس مجرد البداية لسلسلة إجراءات تستهدف تفكيك باقي المخيمات، مثل جنين وبلاطة، ضمن مشروع لإعادة رسم المشهد الديموغرافي والسياسي في الضفة الغربية، تحت غطاء التهدئة والتطبيع الإداري.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا ينفصل عن محاولات طمس الهوية السياسية والرمزية للمخيمات، باعتبارها تجسيدًا دائمًا لقضية حق العودة.
ويتعرض مخيم نور شمس بطولكرم لعدوان إسرائيلي واسع لليوم الـ155 مع تصاعد عمليات الهدم في المخيم والتنكيل بالمواطنين وتشريدهم وتحويل المنازل لثكناتٍ عسكرية، والذي أسفر عن استشهاد 13 مواطنًا، بينهم طفل وامرأتان، إحداهما كانت في الشهر الثامن من الحمل، إضافة إلى عشرات الإصابات والاعتقالات، وتدمير واسع طال البنية التحتية والمنازل والمحلات التجارية والمركبات.
ووفقا لآخر المعطيات، فقد أدى التصعيد إلى تهجير أكثر من 5 آلاف عائلة من المخيمين، أي ما يزيد على 25 ألف مواطن، وتدمير ما لا يقل عن 400 منزل تدميرا كليا، و2573 منزلاً تضررت جزئيًا، في ظل استمرار إغلاق مداخل المخيمين بالسواتر وتحويلهما إلى مناطق شبه خالية من الحياة.
نور شمس البداية
وكشف تقرير عبري، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة الأمن يدرسون إمكانية السماح بإعادة سيطرة أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية على بعض مخيمات اللاجئين شمال الضفة الغربية، وذلك لأول مرة منذ بدء العمليات العسكرية الموسعة في المنطقة.
ووفقًا لما أوردته قناة i24NEWS، فإن المخطط المطروح يشمل تنفيذ "خطوة تجريبية" تبدأ من مخيم نور شمس بطولكرم، في إطار الاستعدادات لإنهاء عملية "السور الحديدي" العسكرية، والتي تهدف إلى تفكيك خلايا مسلحة واعتقال مطلوبين.
وأشار التقرير إلى أنه في حال نجاح التجربة، قد يتم توسيعها لتشمل مخيمات أخرى، منها مخيم جنين، في ظل دراسة خيارات لإعادة ترتيب انتشار قوات الاحتلال في المنطقة بعد انتهاء العمليات.
ووفقًا لمصادر أمنية إسرائيلية، فإن أي نقل محتمل للمسؤولية الأمنية للسلطة سيكون مشروطًا بالحفاظ على "حرية العمل الكاملة" لقوات الاحتلال، بما يشمل تنفيذ عمليات اعتقال واغتيال عند الحاجة.
وأكدت المصادر أن نجاح الخطوة سيُقاس بقدرة أجهزة الأمن الفلسطينية على فرض الأمن على الأرض، وليس فقط بنواياها.
في السياق ذاته، ذكر التقرير أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتابع عن كثب هذا التوجه وتدعمه، وسط مخاوف من أن يؤدي غياب السلطة إلى تعزيز نفوذ حركتي حماس والجهاد الإسلامي داخل مخيمات اللاجئين.
وتعتبر واشنطن- بحسب التقرير- أن عودة السلطة الفلسطينية إلى هذه المناطق تمثل "الخيار الأقل سوءًا" مقارنة بمخاطر الانفلات الأمني، وتأثيره المحتمل على الاستقرار الإقليمي الأوسع.
نموذجًا تجريبيًا
الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، أكد على أن المؤشرات تتزايد على أن الاحتلال الإسرائيلي بصدد إنهاء عملياته العسكرية المكثفة في عدد من مخيمات شمال الضفة الغربية، في خطوة قد تمهد لتسليم إدارتها تدريجيًا إلى السلطة الفلسطينية.
وأوضح مناع، أن مخيم نور شمس في طولكرم بات يشكّل نموذجًا تجريبيًا لهذا التحول، مشيرًا إلى عاملين أساسيين يعززان هذا التوجه.
الأول، هو زيارة مسؤول أميركي رفيع إلى المخيم مؤخرًا، في خطوة وُصفت بأنها إشارة دعم ضمنية لمسار تسليم السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية.
أما العامل الثاني، فقد ورد في تقرير نشرته قناة I24 الإسرائيلية، أكدت فيه أن الحكومة الإسرائيلية تدرس فعليًا فكرة تسليم عدد من المخيمات، معتبرة أن مخيم نور شمس يمثّل الحالة الأولى التي يتم فيها اختبار هذا النموذج على الأرض.
وأضاف مناع أن هذه التطورات تندرج في إطار أوسع، تسعى فيه إسرائيل إلى إعادة تعريف المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، بحيث تتحول تدريجيًا من "بؤر أمنية" إلى "أحياء مدنية" خاضعة لرقابة مشددة.
ويشمل هذا التحول، بحسب مناع، مشاريع إعادة هيكلة عمرانية، مثل بناء أبراج سكنية متعددة الطوابق كبديل عن المنازل المدمرة بفعل العمليات العسكرية، إلى جانب توسعة الشوارع داخل المخيمات بهدف تسهيل الحركة والمراقبة الأمنية.
وأكد أن هذه السياسات تنطوي على أبعاد أمنية وسياسية تهدف إلى تفكيك البنية الرمزية للمخيمات، وتغيير صورتها التقليدية المرتبطة بحق العودة واللجوء.
تساؤلات حول دور السلطة
في ظل هذا المشهد، يطرح محللون تساؤلات بشأن دور السلطة الفلسطينية في الخطة المرتقبة، ومدى استعدادها لتسلّم إدارة هذه المناطق في ظل غياب حل سياسي شامل، واستمرار الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض دون تنسيق أو اتفاق وطني جامع.
ويتهم النازحون الفلسطينيون المستوى السياسي بالتقصير في حل قضيتهم وتوفير حقوقهم البسيطة كإيجاد أماكن سكن لائقة بهم، أو توفير بدل إيجار، وطالبوا الحكومة برام الله بتحمل مسؤوليتها تجاه أبناء المخيمات وإيجاد حل سريع وشامل لمشكلتهم.
ويرى أهالي نور شمس أن الخطة الأميركية لا تقدم حلا شاملا لهم، حيث قضى الاحتلال على حارات بأكملها داخل المخيم منها المنشية والمسلخ، ورحّل عائلات لها تاريخ فيه وهي غنّام والجندي وأبو صلاح وشحادة، وشمل الهدم كل المنازل.
من جانبها، تقول نهاية الجندي، النازحة من مخيم نور شمس "الأميركان يقدمون خطة لإعادة تأهيل بنية المخيم التحتية، والاحتلال يحرق الليلة الماضية بناية سكنية من 5 شقق فيه، أي إعمار في المخيم مرفوض إذا لم يتضمن عودة كل العائلات النازحة إليه".
رفض واسع للخطة
لن نقبل بحدائق معلقة مقابل بيوتنا وممتلكاتنا، نريد مخيمنا كما كان ولن نقبل بغيره"، بهذه الكلمات تحدث نهاد شاويش مدير لجنة خدمات مخيم نور شمس عن موقفه كممثل للسكان حول زيارة المنسق الأميركي في الضفة الغربية مايكل فنزل ووزير الداخلية برام الله زياد هب الريح وعدد من المسؤولين، لطرح فكرة إعادة ما دمره الاحتلال في المخيم تحضيرا لعودة النازحين.
ورفضت اللجنة المشاركة كردٍّ أولي للزيارة التي جرت، بحضور محافظ طولكرم عبد الله كميل، وعبرت عن رفضها التام لفكرتها، وما يندرج تحتها من "تمرير للرؤية الإسرائيلية لمستقبل المخيم".
وقال شاويش إنهم يرفضون إعادة تأهيل الشوارع على أنقاض منازلهم، وإنهم أصحاب القرار الأول والأخير في ما يجب أن يحدث في المخيم بعد انسحاب جيش الاحتلال، والذي يقوم على عودة كل النازحين إلى منازلهم وليس جزءا منهم.
ووفقا لشاويش، تكمن الخطورة في أن زيارة المنسق الأميركي تقود لجعل نور شمس نموذجًا، وإذا نجحت الخطة التي يسوّق لها، فسيتم نقل هذا النموذج إلى بقية المخيمات ليس فقط في جنين وطولكرم ولكن في عموم الضفة الغربية.
ويوضح أن خطة فنزل تقوم على تعبيد شوارع في المخيم على أنقاض البيوت المهدمة، وهي رؤية إسرائيلية وتطبيق لمخطط جيش الاحتلال بإفراغ المخيم من ساكنيه ومنعهم من العودة إليه، وتحويله إلى حي، وإنهاء فكرة المخيمات في الضفة.
ويؤكد سكان المخيم أن كل من يحاول طرح حل لمشكلة نزوحهم، عليه أن يفرض أولًا على الاحتلال الانسحاب بشكل كامل منه ومن ثم العمل على إعادة إعماره، بكامل منازله وبالصورة التي كان عليها من قبل.
ويقول شاويش "الناس يريدون مخيمهم السابق بشوارعه وعيادته الصحية ومنازله، يريدون نور شمس محطة انتظارهم للعودة إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها عام 48، لا يمكن بعد كل هذه الأشهر من النزوح والمعاناة والتشريد أن نقبل أن تمحى فكرة المخيم، وتغير جغرافيّته وتطبق الرؤية الإسرائيلية عليه، لا نريد شوارع جديدة معبدة وجزءا من المنازل. أين سيذهب بقية النازحين؟".
تفكيك رمزية المخيم
من جهته، قال المختص في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد إن ما يجري في مخيم نور شمس وسواه من المخيمات ليس مجرد مسعى أمني، بل جزء من خطة سياسية لتفكيك رمزية المخيم الفلسطيني.
وأوضح أن الاحتلال يحاول تحويل المخيمات إلى "أحياء" داخل المدن، في محاولة لمحو الطابع السياسي والرمزي للمكان، وصولًا إلى إلغاء فكرة اللجوء من الوعي الجمعي الفلسطيني.
وحذر أبو عواد من أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تسعى إلى تنفيذ مشروع تهجير صريح وليس مبطنًا، مشيرًا إلى أن نحو 40 ألف فلسطيني هجّروا قسرًا من الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأشار إلى أن ما يطرحه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يعكس هذا التوجه، من خلال تقليص الوجود الفلسطيني تمهيدًا لترحيل أوسع، عبر سياسات تهجير ممنهجة، وفرض عقوبات جماعية، والسيطرة على الأراضي، وتفكيك بنية المخيمات.
وبحسب معطيات لجنة خدمات مخيم نور شمس، فإن الاحتلال شرد 400 عائلة من المخيم، ما يعني أن قرابة ألفيْ شخص أصبحوا دون مأوى، ولا يسمح الاحتلال لهم بالعودة وبناء منازل جديدة فوق تلك التي هدمتها جرافاته خلال أكثر من 5 أشهر، وهي عمر العملية العسكرية الاسرائيلية في نور شمس.
