في فترات الفتن، ينشأ اضطراب عاطفي وفكري على حد سواء. يصبح الناس معقدين. لدرجة أنهم قد ينسون هويتهم في هذه الظروف. ليس من الصعب التنبؤ بمصير الشخص الذي ينسى هويته. اولا الذوبان ثم الزوال...
لقد خُلق الإنسان على الأرض خليفة لله تعالى، فهو خليفة الله تعالى. وبعبارة أخرى، هو ليس مالكًا للأرض، بل هو مستخلف عليها. وإعماره للأرض وكونه عبداً لله تعالى، يشكل هويته. والذين يبتعدون عن هذه الهوية يضيعون أنفسهم في مسالك الضلال. نعم، الإنسان مأمورٌ بعبادة الله تعالى. وبالإضافة إلى هذه المسؤولية، فإن المسلم مأمورٌ أيضاً بإزالة العوائق أمام هذه العبودية وحماية طريق النور. وهذا هو معنى الحراسة.
المسؤولية المنوطة بالمسلمين
فمسؤولية المجتمعات المسلمة في الأساس هو امتثال الأوامر الإلهية واجتناب النواهي، ثم الشهادة على الناس. فالمجتمعات المسلمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقيم العدل، ولا تلتفت إلى استنكار أحد أثناء قيامها بهذه الواجبات. هذا هو واجب الحراسة. حراسة لا تحمي باب البيت، بل تحمي قيم السماء، وراية النبوة من الظلم والطغيان...
ماذا يحدث إذا نسي الحارس مسؤوليته وقرر أن يصبح طباخًا؟ وبعبارة أخرى، إذا انشغل بالطبخ للناس بدلًا من إنقاذهم من الوقوع ضحايا، إلى ماذا سيؤدي ذلك؟
عواقب نسيان المسؤولية
نعم، إذا تحول الحارس إلى طباخ، فُتحت أبواب القلعة أمام العدو، واختُرقت الأسوار، وأُغِير على الناس فجأة. وحين ينسى الفرد المسلم والمجتمع المسلم مسئوليته وهويته يصبح قطيعاً يُساق بدلاً من أن يكون رائداً. وفي هذا السياق؛ نرى كم من علماء باعوا ضمائرهم، وكم من دعاة أخفوا جوهر الدين وشوهوه لصالح بعض الحسابات...ولكن التاريخ يذكرهم لا كحراس بل كطباخين في مطبخ الهرطقة.
ومن الممكن أن نرى هذه المشكلة في ثنايا كل القضايا الراهنة التي يتعرض لها المسلمون كأفراد وكمجتمع. لقد ضاع الحقيقي وتم تمجيد الزائف. الكل يحاول أن يضيع الوقت بلعبة اقتناها من أماكن مختلفة. وهؤلاء اللئام الذين يبيعون أنفسهم من أجل بطونهم وشهواتهم سيلقون ما يستحقون من العذاب في الدنيا والآخرة. لأن سنة الله لا تحابي أحداً.
ألا نرى؟
ويُروى أَن سائلا قال لرجل حكيم: يا فصيح! ما هو الحق وما هو الباطل؟ هل تستطيع أن تخبرني؟ فأَخذ ذلك الْفصيح بأذن السَائلِ وقال: هذا باطل، إنه يسمع أشياء باطلة. العين هي الحق. إنها الحقيقة. لأنه بالعين ينال الإنسان اليقين وبها ينال الإيمان الحقيقي.
نعم، السمع خاطئ مقارنة بالرؤية. ولكن أين من يرى؟ لقد سُجِّل في صفحات التاريخ أن مجتمعات كثيرة هلكت عندما تركت الحراسة وأصبحت طباخاً. فعلى سبيل المثال؛ المسلمون الذين انغمسوا في الدنيا وتركوا الحراسة عادوا إلى رشدهم بعد أن جاء التتار ودمروا ديارهم ، ولكن بعد خراب البصرة. ثم بعد وقت منَّ الله سبحانه وتعالى عليهم وظهر أناس لهم وعي وصححوا الوضع.
في الحقيقة؛ المسلمون الذين يقاومون ويصمدون اليوم في غزة هم أولئك الذين يرفضون أن يكونوا طباخين. إنهم يقاتلون الظلم بسلاح يحملونه في يد والقرآن في اليد الأخرى. ورغم تخلي المسلمين عن واجب الحراسة واشتغالهم بالطبخ، إلا أنهم يقفون بوعي كونهم الجزء الوحيد السليم من السور المنهار.وكأن غزة تعطي الدرس التالي: ما دام هناك من لا ينسى واجبه ولا يبيع كرامته فلن تموت هذه الأمة!
من الضروري للأفراد والمجتمعات المسلمة أن يحاسبوا أنفسهم ويتذكروا مسؤوليتهم الأساسية. إن الأفراد والمجتمعات التي تحدد هويتها وواجبها ستخطو خطوة كبيرة نحو النجاح. ولا ننسى أن الذي سيحقق نهضة هذه الأمة ليس المؤتمرات والندوات، بل الوعي ومسؤولية الحراسة التي ستجعل الفرد المسلم يقظاً لا يستطيع النوم. لقد آن الأوان لترك الطبخ والعودة إلى الحراسة...
