أثار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة موجة جديدة من التساؤلات القانونية والسياسية بشأن مستقبل مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت، في ظل اتهامهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة في القطاع.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرة اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بتهم الإبادة الجماعية واستهداف المدنيين في غزة.
ومنذ صدور أوامر التوقيف، تواجه المحكمة ضغوطًا وتهديدات أمريكية متصاعدة، إذ لوّحت واشنطن بفرض عقوبات مالية ودبلوماسية على المحكمة وعلى القضاة المشاركين في الملفات المتعلقة بإسرائيل والولايات المتحدة، في محاولة للحد من ولايتها القضائية.
ورغم التحولات السياسية التي رافقت اتفاق غزة، تؤكد مصادر قانونية أن المسار القضائي ضد قادة الاحتلال ما زال قائمًا.
وقال المتحدث باسم المحكمة الجنائية الدولية فادي العبدالله، أن قرارات الاعتقال تبقى سارية المفعول مدى الحياة ما لم تُلغَ بقرار قضائي، مشيرًا إلى أن "الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، ويمكن تنفيذ أوامر القبض حتى بعد عشر أو خمس عشرة سنة من صدورها".
وأضاف أن الدول الموقعة على نظام روما الأساسي مُلزمة قانونيًا بالتعاون مع المحكمة وتنفيذ أوامر الاعتقال، ولا يحق لأي دولة أن تقرر من تلقاء نفسها تعطيل تنفيذها.
وأشار إلى أن الدولة التي ترى مانعًا قانونيًا أو سياسيًا أمام التنفيذ يمكنها تقديم التماس رسمي إلى قضاة المحكمة للنظر في إعفائها من الالتزام، مؤكدًا أن القضاء الدولي يبقى مصممًا على تحقيق العدالة "مهما طال الزمن".
جرائم قتل الصحافيين في غزة
وفي ما يتعلق بمقتل أكثر من 254 صحافيًا وصحافية في قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية، قال العبدالله إن المحكمة وحدها هي الجهة المخوّلة قانونيًا بتوصيف هذه الجرائم كجرائم حرب أو إبادة أو جرائم ضد الإنسانية، وفقًا للشروط القانونية المنصوص عليها.
وأضاف: "الصحافيون في مناطق النزاع يُعاملون وفق القانون الدولي كمدنيين يجب حمايتهم، واستهدافهم يُعد انتهاكًا جسيمًا".
وأوضح أن المسؤولية الأولى في محاكمة قتلة الصحافيين تقع على عاتق القضاء الوطني في الدول المعنية، لكن المحكمة الجنائية الدولية يمكنها التدخل كملاذ أخير إذا فشل النظام القضائي المحلي في الملاحقة أو المحاسبة.
وأشار العبدالله إلى أن هناك تحقيقًا مفتوحًا لدى المحكمة بشأن الجرائم المرتكبة على الأراضي الفلسطينية، وأن مكتب المدعي العام هو الجهة الوحيدة المخولة بتقديم طلبات رسمية لاستصدار أوامر قبض جديدة، داعيًا الأفراد والمنظمات التي تمتلك معلومات أو أدلة إلى التواصل مع المكتب مباشرة.
وفي ختام حديثه، شدد المتحدث باسم المحكمة على أن القوانين الدولية الحالية كافية من حيث المبدأ لحماية الصحافيين، لكن المطلوب هو "تعزيز قدرات المؤسسات القضائية المكلفة بتطبيقها"، لافتًا إلى إمكانية إضافة نص صريح إلى نظام روما الأساسي يقرّ بحماية الصحافيين أسوةً بقوات حفظ السلام.
وقال العبدالله إن دعم المجتمع الدولي للمحكمة ولآليات العدالة الدولية هو الضمانة الوحيدة لـ"إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب"، مؤكدًا أن تطبيق القوانين أهم من سنّها، وأنّ أي صمت أمام الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين أو المدنيين في غزة "يمثّل تقويضًا لأسس العدالة الدولية".
ومن جهة أخرى، فقد أوضح الخبير في القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني أن المحكمة "رفضت طعون إسرائيل على اختصاصها"، ما يجعل أوامر التوقيف واجبة التنفيذ قانونيًا في جميع الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، مضيفًا أن وقف القتال لا يُسقط المسؤولية الجنائية.
وأشار الكيلاني إلى أن جرائم الحرب تُلاحق مرتكبيها حتى بعد التسويات السياسية، مستشهدًا بتجارب يوغوسلافيا ورواندا، حيث استمرت المحاكمات رغم توقيع اتفاقات السلام.
وفي الاتجاه ذاته، شدّد أستاذ القانون الدولي محمد مهران على أن جرائم الحرب والإبادة لا تسقط بالتقادم، مؤكدًا أن المحكمة الجنائية الدولية "مستقلة عن الإرادة السياسية للدول"، وأن اتفاقيات وقف النار "لا تُلغي الملاحقات ولا تُعطّل أوامر القبض".
