يخطئ قادة الاحتلال الإسرائيلي التقدير إن ظنوا أن المماطلة والمراوغة تأتي بثمارها مع المقاومة، أو راهنوا على عامل الزمن لإضعاف إصرار المقاومة على مطالبها بخصوص إتمام صفقة تبادل جديدة، لاسيما أن ملف تحرير الأسرى على رأس أولويات المقاومة بجميع أحوالها، والتاريخ خير شاهد على ذلك، إذ يوم ضعف إمكانياتها حاولت وبذلت ما بوسعها لتحريرهم عبر أسر جنود الاحتلال خلال المحطات النضالية المتتالية في تاريخ الشعب الفلسطيني، فكيف الحال وقد تعاظمت قوة وقدرة ورغبة بذلك، لاسيما بعد نجاح صفقة وفاء الأحرار عام 2011 التي تنسم بموجبها أكثر من ألف أسير فلسطيني عبير الحرية؟!، لذا، على الاحتلال أن يوطن نفسه على إغلاق ملف الأسرى وتبيض سجونه يوماً ما.
وأمام العجز الإسرائيلي البين في الوصول إلى جنوده الأسرى في قطاع غزة رغم محدودية مساحته، يجدر بقادة الاحتلال الإقرار بهذه الهزيمة المدوية المتواصلة لأجهزته الأمنية والاستخباراتية، والاعتراف بالانتصار المستمر للمقاومة عبر نجاحها بإخفاء الجنود الأسرى بجدارة تعكس إبداع العقلية الأمنية الفلسطينية، ولا مفر من دفع الثمن بإطلاق سراح الأسرى اليوم وقبل الغد، فلا المماطلة تجدي، ولا المراوغة تأتي بثمارها أمام إصرار وعناد المقاومة التي تأبى إلا الإفراج عن أسرى الأحكام العالية، وتحطيم كل معايير الاحتلال مهما امتدت مفاوضات صفقة التبادل، وفي صفقة وفاء الأحرار عبرة لأولي الألباب مفادها آلا سبيل أمام الاحتلال الإسرائيلي لاستعادة جنوده وضباطه سوى الخضوع لمطالب المقاومة ذات النفس الأطول، والإرادة الأصلب، والعزيمة الأقوى.
إن الكشف عن أسر ضابطين إسرائيليين خارج فلسطين فضلاً عن كونه يزيد أوراق القوة بيد المقاومة، والضغط على صانع القرار الإسرائيلي، فإنه يحمل في طياته رسالة بالغة الوضوح مفادها أن المراوغة والمماطلة تأتي بنتائج عكسية، وتفتح شهية المقاومة لزيادة رصيدها وغلتها من جنود وضباط جيش الاحتلال، وبالتالي تحطيم أوهام الاحتلال بتراجع المقاومة وليونة مواقفها أو ضعفها في مرحلة لاحقة، وتؤكد أن الرهان على نجاح الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ذات الإمكانيات التقنية والاستخبارية العالية بالوصول إلى الجنود الأسرى خاسر بشهادة الواقع، إذ مرت أعوام دون نجاحها بذلك، ولا أمل بتمكنها من ذلك مستقبلاً.
ورغم رغبة المقاومة بإنجاز صفقة تبادل جديدة في إطار حرصها على تحرير الأسرى إلا أنها غير معنية باستعجال إنجازها على حساب التفريط بأي من مطالبها، مدركة أن سيف الوقت على رقبة حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وأن الأخيرة ستخضع في نهاية المطاف للمطالب الفلسطينية، لاسيما أن المقاومة مسنودة بإجماع وطني على ملف الأسرى، والتفاف شعبي منقطع النظير، وتتطلع لتبيض سجون الاحتلال من الأسرى الذين ضحوا من أجل حرية وكرامة شعبهم، ولا سبيل للتخلي عنهم، أو تركهم لمبادرات حسن نوايا الاحتلال كما الحال في نهج المفاوضات التي فتحت شهية الاحتلال على هضم الحقوق الفلسطينية سواء بالاستيطان أو بمضاعفة الاعتقالات والتوحش في التضييق على الأسرى.
إن اختصار الوقت والجهد عبر تلبية مطالب المقاومة هو الخيار الوحيد لاستعادة الاحتلال جنوده وضباطه، وذلك يتطلب أولاً وقبل أي شيء قيادة إسرائيلية قادرة على اتخاذ القرار ودفع الثمن المطلوب، ودون ذلك فسيتجرع جنود الاحتلال مرارة الأسر حتى يذوق أسرانا حلاوة الحرية.
