غزة - خاص شهاب
على وقع ضربات المقاومة على رأسها كتائب القسام، سحب جيش الاحتلال "الإسرائيلي" للمرة الأولى منذ نحو خمسة أشهر، الفرقة 98 من خانيونس جنوب قطاع غزة بكامل ألويتها الثلاثة بعد معارك ضارية، دون النجاح في تحقيق أي من أهداف الحرب المعلنة.
وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، فإنه بعد نصف عام من الحرب لم يبق في قطاع غزة سوى لواء واحد هو "ناحال" الذي يتولى السيطرة على ممر فصل القطاع، حيث غادرت الفرقة 98 بالكامل خانيونس، وبقي بضع مئات من الجنود فقط في مهمة ثابتة، هي منع عودة النازحين.
ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" عن مصادر سياسية قولها إنّ "مهمة الجيش الإسرائيلي في خانيونس كانت تهدف إلى تفكيك لواء حماس وإعادة الرهائن"، إلا أن الجيش غير قادر حاليًا على تحقيق مزيد من الإنجازات خاصة بشأن "المختطفين".
"عمليات نوعية"
وجاء هذا الانسحاب بعد ساعات على مجموعة من العمليات النوعية، إذ سبقه إعلان كتائب القسام، مقتل 14 جنديًا "إسرائيليًا"، على الأقل، في "كمائن نوعية" خلال المعارك الضارية التي تخوضها المقاومة في خانيونس جنوبي قطاع غزة.
وقالت "كتائب القسام" إنها قتلت 9 جنود "إسرائيليين" في منطقة الزنة شرق خانيونس و5 آخرين في حي الأمل غرب المدينة.
وأضافت أنها أصابت عددًا آخر من الجنود في منطقة الزنة.
وأشارت الكتائب إلى أنها استهدفت 4 دبابات ميركافا في الزنة وناقلة جند بحي الأمل وأوقعت أفرادها قتلى وجرحى.
وبعد ساعات قليلة من انسحاب جيش الاحتلال، تم إطلاق 4 صواريخ من خانيونس باتجاه "غلاف غزة"، وتفعيل منظومة "القبة الحديدية"، ما أدى لحالة سخط كبيرة في صفوف المستوطنين على مواقع التواصل.
وتخوض المقاومة الفلسطينية معارك ضارية، منذ بدء العمليات البرية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، في عدة محاور في قطاع غزة.
ويعترف جيش الاحتلال بشكل شبه يومي بسقوط قتلى وجرحى في صفوف قواته بقطاع غزة، لكنه وفق مراقبون ومحللون عسكريين، لا يفصح عن الأعداد الحقيقية لقتلاه.
وبحسب الإعلام العبري، فقد تجاوز عدد قتلى الجيش "الإسرائيلي" الـ 600 بينهم 264 منذ بدء العملية البرية في قطاع غزة، فيما أصيب أكثر من 6800 ضابط وجندي بينهم 4716 من قوات الاحتياط.
"إرهاق قتالي"
صحيفة "هآرتس" العبرية، قالت إن انسحاب جنود الاحتلال من مدينة خانيونس، جاء بسبب "الإرهاق القتالي واستنفاذ القدرات القتالية والاستخباراتية".
ونقلت "هآرتس" حوارات "سرية" عن قادة كبار في جيش الاحتلال "لم يكشفوا عن أسمائهم"، قالوا فيها: "الجيش يدرك منذ فترة طويلة أن الوجود المستمر لقواته في جنوب القطاع دون التقدم إلى مناطق قتال جديدة يعرّض حياتهم للخطر".
وأوضحوا أنّ خروج القوات "الإسرائيلية" من جنوب قطاع غزة يأتي أيضاً بسبب "استنفاد القدرات القتالية والاستخباراتية في المنطقة".
وقال مصدر بالجيش الإسرائيلي: "استكملت الفرقة 98 مهمتها في منطقة خان يونس، وغادرت قطاع غزة لغرض الانتعاش والاستعداد للمهام المستقبلية".
وأضاف أنه في قطاع غزة يستمر نشاط قوة كبيرة تابعة للفرقة 162 ولواء "ناحال" الذي سيحافظ على حرية تصرّف قوات الجيش في القطاع لشن عمليات دقيقة تستند إلى المعلومات الاستخباراتية، بحسب تصريحاته.
"لا أهداف تحققت"
ولم يحقق الاحتلال أهدافه المعلنة للحرب، بحسب اعترافات وسائل إعلامه، إذ قال موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" إنه "في ذروة المناورة، عمل أكثر من 20 لواء في قطاع غزة، لكن الآن لم يبق سوى قوات "الناحال" بعد مغادرة معظم القوات غزة قبل ثلاثة أشهر، فيما أنه "لا تزال الحكومة تصرّ على تعريف الوضع على أنه حرب" على رغم انتهاء المناوبة البرية في القطاع، و"على ما يبدو لمنع مسؤولين في المؤسسة الأمنية والعسكرية من الاستقالة"، - وفق الموقع - الأمر الذي "سيزيد الضغط" على وزير الأمن يوآف غالانت، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، علماً أنّ هناك ما لا يقل عن 4 من كبار المسؤولين في "الجيش" الإسرائيلي ينتظرون فقط تغيير التعريف.
ووفق الموقع تفسه فإنّ العملية العسكرية في رفح ودير البلح - في حال حدثت – ستكون "محدودة ومركزة".
"النصر ليس قريبا"
وترى صحيفة "هآرتس" أن الجيش الإسرائيلي سحب قواته من خانيونس بدون تحقيق أهدافه الأساسية، مؤكدة أن النصر الذي يسعى إليه نتنياهو ليس قريبًا كما يصفه.
وأضافت الصحيفة أن الجنود "الإسرائيليين" يغادرون الجزء الجنوبي من غزة، و"إسرائيل" ليست أقرب بكثير من تحقيق أهداف الحرب، ويجب عليها الآن مواجهة المزيد من الاعتراضات من الغرب.
وبحسب الصحيفة، لم يعد لدى الجيش "الإسرائيلي" أي قوات برية في جنوب قطاع غزة. ولا يزال أحد فرق اللواء القتالية في الممر الذي يفصل شمال غزة عن جنوب غزة. وهناك عدد قليل من الألوية الأخرى المتمركزة خارج غزة وستدخل حسب الحاجة.
وتشير الصحيفة إلى أنه حتى الآن، لم يتحقق الهدفان الرئيسيان لعملية خان يونس. ولا يزال اثنان من كبار مسؤولي حماس في غزة، يحيى السنوار ومحمد الضيف، طليقين. كما لم يحدث أي انفراج في استعادة "الإسرائيليين" المحتجزين في غزة.
"غضب إسرائيلي"
ونقلت القناة 12 عن "يسرائيل زيف"، رئيس شعبة العمليات في الجيش سابقا، قوله إن الجيش بانسحابه من خان يونس لا يعيدها وحدها لحماس، بل يعيد القطاع كله لسيطرتها، معتبرًا أن ذلك يبدد ما حققه الجيش من "إنجازات" في غزة ويجعله عالقًا ويراوح مكانه. وفق تعبيره.
فيما يرى "تسفيكا يحزقيلي"، محلل الشؤون الفلسطينية في القناة 13، أن حماس نجحت في تأجيل عملية رفح، وتخفيض الزخم العسكري "الإسرائيلي"، لافتًا إلى أن ذلك تحقق لها دون إطلاق سراح أي من الأسرى، كما تتوارد أنباء بمضاعفة المساعدات الإنسانية لغزة خلال عيد الفطر.
وقال "نوعام تيفون"، قائد اللواء الشمالي سابقا، لقناة كان 11، إن الحكومة خلقت وضعًا مضللًا وكأننا في حرب انطلاقًا من اعتبارات سياسية حزبية، مضيفا، قالوا لنا إن الضغط العسكري هو ما سيعيد الأسرى لكن للأسف خرجت الفرقة دون النجاح في إرجاعهم ولا الوصول لقادة حماس.
بدوره، يرى "غيورا أيلند"، رئيس مجلس الأمن القومي سابقًا، أن انسحاب الفرقة 98 من قطاع غزة لا يحقق هدفًا جيدًا، معتبرًا ذلك يعكس فجوة كبيرة جدًا بين الحديث عن تعزيز الضغط العسكري من أجل تحرير الأسرى وبين ما هو في الواقع.
وفي سياق متصل، يرى "سليمان مسودة"، مراسل الشؤون السياسية في قناة كان 11، أنه وبعد نصف عام على الحرب، يعتقد غالبية الجمهور أن قادة النظامين السياسي والأمني لا يمكنهم البقاء في مناصبهم حتى قبل تشكيل لجنة التحقيق الرسمية.
كذلك يرى "موشيه باز"، عضو كنيست عن حزب "يوجد مستقبل"، أن الأمر الصائب لنتنياهو وائتلافه الحكومي هو الإعلان عن موعد متفق عليه مع المعارضة وعلى رأسهم يائير لبيد، لإجراء الانتخابات، مؤكدا أنه على من أخفق وقاد النظام في هذه المرحلة دفع الثمن.
"اعتراف صريح بالهزيمة"
أما الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني عبد الباري عطوان، فقد عدّ إعلان قيادة جيش الاحتلال سحب الفرقة 98 بألويَتها الثلاثة من خانيونس، وبعد أربعة أشهر من القتال المُتواصل في المدينة اعترافٌ صريحٌ وميدانيٌّ بالهزيمة، وأي تفسيرات أُخرى مِثل تعزيز الجبهة الشماليّة مع لبنان تَوقُّعًا لتوسيع الحرب، أو الاستِعداد لاجتِياح مدينة رفح تظل مُعظمها مقصودة من قِبَل المُتحدّثين الإسرائيليين وإعلامهم للتّغطية على هذه الهزيمة ومُحاولة إنكارها.
وقال إن الخبر اليقين عند كتائب القسام التي أعلنت عن مقتلِ 14 جُنديًّا إسرائيليًّا (السبت الماضي) في مُواجهاتٍ من المسافةِ صِفر مع الجيش "الإسرائيلي" وقوّاته في المدينة، حيث نجحت في نَصبِ الفِخاخ لقوّاته، وتصفية الجُنود بين قتيلٍ وجريح، وتدمير أعداد كبيرة من الدبّابات وحامِلات الجُنود المُدرّعة، وعزّزت الكتائب بيانها بفيديوهات بالصّوت والصّورة أعدّها إعلامها العسكريّ المُتطوّر جدًّا.
وأضاف: "إنّه ليس انسحابًا، وإنّما هُروبًا من ميادين القِتال، تقليصًا للخسائر، ويأسًا من تحقيقِ أيّ انتصارٍ على كتائب المُقاومة التي تُقاتل دفاعًا عن أرضِها، وثأرًا لضحايا شعبها الذين استُشهد منهم أكثر من 33 ألفًا، وأُصيب ما يَقرُب من المئة ألف منهم في حرب الإبادة التي يشنّها الجيش الإسرائيلي اعتِقادًا مِنه أنّ هذه الإبادة يُمكن أنْ تدفع المُقاومة وحاضِنتها الشعبيّة المُلتهبة فِداءً ووطنيّة إلى رفعِ رايات الاستِسلام".
وتابع: بنيامين نتنياهو ما يزال يُواصل “هوايته” في الكذب والتّضليل، بقوله إنّه سيُواصل الحرب حتّى تحقيق جميع أهدافها في القضاء على حركة “حماس” وفصائل المُقاومة الأُخرى، واستِعادة “الرّهائن” وأكّد أنه نجح في اغتِيال مُعظم، أو كُل، أعضاء القيادتين السياسيّة والعسكريّة للحركة، ولا بُدّ أنّ رُموز هذه القيادة الأبرز مِثل المُجاهِدِين يحيى السنوار، ومحمد الضيف، ومروان عيسى، يضحكون سُخريةً في نفقهم القيادي، عند استِماعهم لمِثل هذه التّصريحات المكررة، ولا نستبعد أن يُرسل المُجاهد السنوار فردة حذائه الأخرى إلى نتنياهو كهديّة عبر أحد أعضاء وفد الحركة المُفاوض في القاهرة لإيصالها إليه عبر الوُسطاء في القاهرة أو الدوحة.
وأردف عطوان قائلًا: دولة الاحتِلال التي استدعت 360 ألف جُنديّ احتياط للانضِمام إلى جيشها الرسميّ الذي لا يقلّ تِعداده عن 250 ألفًا، علاوةً على عشَرات الآلاف من كوادر الأجهزة الأمنيّة لتحقيقِ نصرٍ سريع في بداية الاجتِياح للقطاع لم يبقَ لديها فيه إلّا لواء واحد (نحال) لقطع الطّريق بين شِمال مدينة غزة وجنوبها، ولا نعتقد أنّ بقاء هذا اللّواء سيطول، وسيهرب قادته وجُنوده مثلما هرب نظراؤهم في خانيونس في الأيّام أو الأسابيع المُقبلة على الأكثر.
وأكمل: دُخول القطاع بالدبّابات والمُدرّعات عمليّة سهلة جدًّا، جرّبها إرييل شارون قبل نتنياهو وغالانت، وكانت الهزيمة مُؤكّدة، لأنّ القطاع لم يدخله غازٍ على مَرّ عُصور التّاريخ إلّا وخرج منه مهزومًا، مذلولًا، مُثْخَنا بالجِراح، وحواري قطاع غزة وأزقّتها الضيّقة تشهد على ذلك، وهذا ما يُفَسِّر إقدام نتنياهو وجيشه على نَسفِها في جميع الاقتِحامات للقطاع في مُحاولةٍ يائسةٍ لنسفِ هذا الإرثِ العظيم.
"حنكة ودهاء المقاومة"
وزاد عطوان قائلًا: المُقاومة الفِلسطينيّة في قطاع غزة لم تُدِر الحرب الميدانيّة ضدّ الاحتلال بكفاءةٍ عالية، ودهاءٍ ليس له مثيل لدى مُعظم الجُيوش العربيّة المُتكرّشة فقط، وإنّما كانت إدارتها للمُفاوضات لا تقلّ حنكةً ودهاء أيضًا، ودليلنا أنها تمسّكت بشُروطها كاملة بالانسِحاب، ووقفٍ كامِلٍ للحرب، وإعادة الإعمار، طَوال الأشهر الستّة الماضية، ولهذا لا يحتاجون إلى نصائح أحد، ولكن ربّما يُفيد التّذكير، وليس النّصح، بأنّ جولة المُفاوضات التي يجري إحياؤها في القاهرة اليوم، بحُضور قادة مُخابرات أمريكا، ومِصر، وكيان الاحتِلال، وقطر، بهدف الوصول إلى اتّفاقٍ سريع تهدف إلى إلقاءِ طوق النّجاة، ليس لنتنياهو فقط، وإنّما لـ"دولة" الاحتِلال، استِباقًا للرّد الإيرانيّ على جريمة قصف القنصليّة الإيرانيّة في دِمشق، وتصاعُد احتِمالات دُخول “حزب الله” وصواريخه الدّقيقة، وكتائب الرّضوان إلى أرضِ المعركة، واقتِحام الجليل في توازٍ مع الرّد الإيراني المُباشِر المُحتَمل، ومُشاركة أذرع المُقاومة الأُخرى، ولهذا نأمَل أنْ يتنبّه المُفاوض الحمساوي إلى هذه المسألة، وإنْ كُنّا نُؤمِنُ بالمقولة الدّارجة “لا توصّي حريص”.
وختم عطوان قائًلا: بعد إكمال “حرب النّصر” والكرامة في غزة شهرها السّادس بالتّمامِ والكمال، ودُخولها السّابع، يتسارع انهِيار الكيان الإسرائيلي على كُلّ الأصعدة باعترافِ صُحفه ومُفكّريه وخُبرائه وجِنرالاته، ويقترب أجَلُ نتنياهو السياسي وحُكومته، ولا نتردّد في تهنئة شعبنا، وأمّتنا، والأشقّاء الشُّرفاء في العالم بالنّصر العظيم الذي تنبّأنا به مُنذ اليوم الأوّل لاقتِحام الجيش الإسرائيلي ودبّاباته للقطاع الصّامد ومُقاومته الجبّارة.. والأيّام بيننا.
